أحدث مقالاتيفكر

الانسان الممتاز والماضي!

ينشغلُ السياسي في أمور الساعة وشؤون البلد والناس والمستقبل، وينشغل المثقف بأهداف وغايات القرار والمواقف وما وراء الكلمات، ويقف المحلّل عند حدود النظر في الأسباب وتوقع المسارات أو البدائل، ويطرح الاعلامي رؤيته بصورة فريدة أو لغة عتيدة أو نقولات مفيدة.
يجلس الفنانُ لينسج من ثمار الماضي وأشجاره الوارفة خميلة ظليلة، ولا ينسى أن يحرث حولها ويتعاهد ما أثمر منها بالسقاية والعناية رابطها بالحاضر ومتغيرات المستقبل الأجمل.
يقعد العقل الماضوي والشخص الماضوي عند حدود التغنّي أو التمني والحلم، فيجد بالقديم جمالًا لا مثيل له! ما يستحق النسج على منواله بلا أي تفكير أو تطوير! رغم أن الدنيا تسير دومًا الى تقدم وتغيّر أبدي! وعليه يقعد عند حدود زمن مقدس لا يجد مناصًا من الاستعانة به على ما يراه من سواد أيامه الحاضرة أو قلة حيلته أو فشله القائم أو المستقبلي المتوقع!
السياسي الممتاز والقائد الممتاز والمثقف الممتاز والمؤمن الممتاز هو الشخص الممتاز الذي يفهم ويعي وينطلق. وهو من يبتسم للمخاطر بقلب أسد، ولا تُشقيه النوائب والصعوبات بل يتخذها مِنصة للوثوب، فيشمّر عن ساعدي الجد، وينطلق لإحداث التغيير بالقلب والعقل، ثم بجهد العمل الميداني جاعلًا من فكرة العمل أولًا مقدمة على التنظير اللانهائي والشعارات الطنانة بلا طحين! ومقدمًا الالتزام بالخطوات الموصلة للهدف جاهدًا كل الجهد على تحقيق التناغم بين المكان والزمان والانسان.
لا مجال عند الانسان الممتاز للبكاء على الأطلال والعويل والتفجّع وما يقابله من التقريع للمخالف له! ولا مجال عنده لتقديس الماضي التليد (وتقديس مَن يظنون أنفسهم ورثته)! ولا سعي عنده لاستعادة الماضي كما كان حرفيًا! وإنما يعلم ضرورة احترامه وأهمية الإطلالة عليه بعين فاحصة، والتنعم بإيجابياته وتطويرها والبناء عليها، وبعقل مفتوح يفهم القيمة بالتلاقح مما تناقلته مختلف حضارات العالم ويفهم معادلة: الإيمان والعقل والتوازن (والسماء رفعها ووضع الميزان- الرحمن-7).
الرجلُ (أو المرأة) الممتاز لا يجد مناصًا من العمل في أرض الواقع، يتحرى المشكلات ويبحث عن الحلول ليس في الماضي غير القابل للاستنساخ أو بالتقليد الأعمى، وإنما بذاك القابل للمراجعة أوالاستفادة والقابل للنقد والأخذ والرد منه، كما هو المطلوب أن يظل هذا الماضي الحضاري الجميل مجالًا خِصبًا للنهل منه، والاقتداء حيث وجب، والمحبة والفخر الأكيد.
إن امتيازنا لا يجيز النظرة المستهترة بالقديم! واستسخافه واستحقاره! ما هو بالحقيقة استحقار للذات الخاصة (أنا) والعامة (الأمة) وشعور بالنقص والدونية الممجوجة! وبما يتبدى بأقله بالتشدق الانبهاري والافتتاني بالكلمات و بالمصطلحات الأجنبية وكأننا ملكنا عنان السماء! وحُزْنا (اكتسبنا) من الفاتن المسيطر والأجنبي المهيمن على عقولنا والقلوب عين الرضا والعرفان!
نعم من الجميل والضروري الاطلاع على بدائع وروائع أمتنا، وحضارتنا، وفيها الكثير والغني فيما يتعلق بالعلوم الانسانية والاجتماعية والثقافية والأدبية والفكرية، كما الحال بالعلوم الطبيعية، وما يمكن الرجوع له بعديد الدراسات وآلاف الكتب.
إن مَن يحتقر لغته العربية القاهرة، وحضارته وثقافته المتميزة والمرحابة معًا يستبدلها بمنطق الغراب الذي حاول تقليد النعامة فضَلّ مِشيَته وطريقَه مما هو حاصل اليوم! وحين يتغنى الضال بلغة غيره، واستهلاكيته ولا أخلاقيته ينشأ جيل الانحطاط القِيَمي والفكري والأخلاقي المنفصل عن حضارته المتميزة، مما هو حاصل في ظل وسائط التبعثر الاجتماعي.
المثقفُ والمفكر والسياسي والاعلامي، الانسان الممتاز يرى في الحِزام العريض لأمته مساحة قبول ومحبة واحتضان وتفهم وتجاور… ولكنه مع ذلك لا يتخلى عن الأساسيات حيث الحضارة العربية الاسلامية بالاسهامات المسيحية المشرقية لا تنتهي ولا تزول بفكرها وبثوابتها القيمية الراسخة، والتي بها نبتعد مسافة آمنه (ضرورية) عن حضارة الغرب الاستهلاكي الشهواني المادي الرغائبي الاستعمارية، فنستفيد ونتواصل ونكمل المشوار.
المحبُ لأمته هو المحب لذاته، وهو المُحب لشعبه وأولويته على ذاته! هذا حينما يكون هذا الشخص الممتاز مناضلًا مجاهدًا فدائيًا (بأي المجالات كان). إنه الفاهم لأهمية الماضي والحاضر والمستقبل وهو المتجدّد بماء النهر، وهو القادر على تحقيق الرِفعة لأمته وقضيته وشعبه ومجتمعه، وإحداث التغيير حيث الصناعة والزراعة والتقانة (تكنولوجيا) والقوة الاقتصادية والعسكرية والفكرية والوحدوية تمثل سِراطية (استراتيجية) الخروج من ربقة الأمم المحكوم عليها بالتهميش والخنوع أو الاعتصار حتى القطرة الأخيرة، والاستتباع، والذِلّة
الانسان الممتاز يفهم خصوصيته ومصلحته ومجال امتيازه عن غيره في إطار مرجعيته الإيمانية الصلبة وتميّز حضارته ولغته وثقافته ونضاليته لكن مع الانفتاح المتعقل على الآخر الغربي أوالشرقي بمساحة تفاعل واسعة وتفكّر وتفهّم وصراع وتحدي يفضي للتقدم دومًا الى الأمام باذن المولى عز وجل.
بكر أبوبكر
رئيس أكاديمية فتح الفكرية
رئيس مركز الانطلاقة للدراسات

 

الإنسان الممتاز ؟؟

ياسر أبوبكر

في زمن الازدحام بالصخب، والازدواجية بين ما نقول وما نفعل، نبحث عن صورة الإنسان الحقيقي، الإنسان الممتاز. لا ذاك الذي يتوشّح بالمناصب أو يُرهقنا بالشعارات، بل الذي يمشي خفيفًا على الأرض، كثيفًا بالقيمة. الإنسان الممتاز ليس خرافة في بطون الكتب، ولا ظلًا يتوارى خلف الألقاب؛ بل هو مشروع دائم للبناء، تتواطأ فيه الإرادة مع الإيمان والعقل مع الفعل. في هذا المقال، أرسم بريشة الأديب عشر لوحاتٍ تمثل هذا الإنسان، مستلهمًا من فكر الأستاذ بكر أبوبكر نبضًا، ومن ضمير الأمة وجعًا وأملًا.

١. الإنسان الممتاز… عابر للماضي لا سجين له

الإنسان الممتاز لا يحنط الماضي في زجاجٍ مقدس ولا يُحيله إلى صنم، بل يتأمله بعين الناقد المُحب، ينهل من دروسه، ويتجاوز عثراته، ويبني على عظمته لا على هشاشته. هو ابن التاريخ، لا عبده.

٢. هو من يحرث في أرض الواقع لا في صالات التنظير

لا يستهويه صرير الأقلام في الفراغ، ولا يخدعه بريق الكلام، بل يقيم خيمته في الميدان، يحفر بأصابعه في التراب، يزرع بذور العمل، ويرتوي بعرق الاجتهاد، مؤمنًا أن ما لا يُصنع لا يُقال.

 

٣. لا يرى في التحدي عدوًا بل سُلّمًا

حين تزمجر العواصف، لا يختبئ، بل يُبحر. وحين تضيق الخيارات، لا يندب، بل يُبدع. إنه ذلك الذي يصنع من الجرح طريقًا، ومن الألم وسيلة، ومن الضيق مسارًا نحو الأفق الأوسع.

٤. المتّزن بين العقل والإيمان

يملك قلبًا يسكنه الإيمان، وعقلًا لا ينام عن السؤال. هو ميزان يمشي على الأرض، لا تميل كفته للعاطفة الجامحة، ولا للعقل الجاف، بل يحقق توازنًا نبيلًا بين الروح والفكر.

٥. العاشق لهويته لا المذعور منها

لا يخجل من لغته، ولا ينكر ثقافته، ولا يساوم على انتمائه، بل يعتز بأصالته دون أن ينغلق، ويحب أمته دون أن يكره غيره. إن هويته ليست جدارًا، بل نافذة واسعة تطل على العالم بثقة.

٦. لا ينحني أمام الغرب، بل يتحاور معه

لا ينبهر بالغرب حتى الذوبان، ولا يعاديه حتى الانغلاق، بل يتفاعل، ينتقد، يتعلم، ويُعطي. يرى في حضارة العالم فرصة للنمو لا ذريعة للمحو، ويجعل من الاختلاف مساحة حوار لا حفرة صراع.

٧. ليس رسول الماضي بل حامل أمانة المستقبل

لا يحمل الماضي كحِمل ثقيل يعرقله، بل كمنارة تهديه. لكنه لا يتوقف عنده، بل يوجه بوصلته نحو المستقبل، يقرأ الغد في ضوء الحاضر، ويخط بيده خارطة النهضة.

٨. يرفض ثقافة الاستهلاك والسطحية والانبهار الجاهل

هو قارئ لا مقلّد، باحث لا مكرر، منتج لا مستهلك. يقدّر الفكرة لا المظهر، ويبحث عن الجذور لا الأوراق. يُميّز بين الإعجاب والتقليد، ويصنع نماذجه لا يستوردها.

٩. يجمع ولا يفرّق… يؤمن بالشراكة الحضارية

يرى في الإنسان أخًا لا غريبًا، وفي الوطن ميدانًا للكل، وفي التعدد غنى لا تهديدًا. يبني بالأمل لا بالكراهية، ويجمع المختلفين حول القيم لا حول الشعارات.

١٠. لا يُجيد البكاء… بل يتقن النهوض

حين ينهار كل شيء، لا يسقط في فخّ العويل، بل يشمّر عن ساعديه، يبدأ من ركامه، ينهض بأمته، يُرمم ذاتها، ويضيء شمعة في ليل الخنوع. لا يبرر العجز، بل يعريه.

الإنسان الممتاز ليس كائنًا نخبويًا ولا حُلُمًا مستحيلًا، بل هو فينا، في كل منّا نداء، في كل لحظة خيار. هو ذلك الصوت الداخلي الذي يصرخ في وجه الانكسار: انهض. هو النهر المتجدد الذي لا يرضى بركود، ولا يطمئن لراحة مؤقتة. في زمن ينهار فيه المعنى، يبقى الإنسان الممتاز المعنى الأسمى… دليلًا على أن النبل لا يزال ممكنًا، وأن النهوض ليس مجرد خيال.

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى