النقد ليس سكينًا للذبح
لستُ من مُحبّي النقد الدائم، ولا أعتقد أن كاتباً أو مفكراً أو أي شخص يمتهن النقد لذاته يستطيع أن يحفر بئرًا أو يمهّد طريقًا للآخرين. كما أن النقد في التنظيم السياسي أو الفكر أو المجتمع عامة لا يعني تعدادًا آليًا للسلبيات دون ذكر أي مقومات إيجابية أو الإشارة لمكمن ضوء من بيان ركام المُهدّم.
افترض أن النقد بتعريف البعض ذاك الذي لا يرى إلا جبل السلبيات ويحفر فيه، وهو إن اتفقنا على تعريفه كذلك أم اختلفنا يجب أن يعني أيضًا الأخذ باليد أو الإشارة لبقعة الضوء أو تصويب ما انكسر وليس ردحًا أو شتمًا أو تكفيرًا أو تخوينًا أو اتهامًا بالذمة أو الشرف مما يسهل تحميله على ظهور الناس كأوزار من الصعب العودة لإنزالها.
وعليه فإن النقد (الحقيقي أو الإيجابي) كما أرى أن يعني:
- الكشف أو المكاشفة للجوانب السوداء في اللوحة متعددة الألوان (وليست البيضاء) في المهمة أو العمل أو المقال أو الخطاب، ومقارنته وتصويبه، والاعتذار عنه من صاحبه كي لا يتكرر.
- فلا يكون الذبح أو الكسر مع الشخص نقدًا أبدًا.
- ولا يجوز للسياسي أو الكادر التنظيمي أن يتعامل مع النقد كأداة هدم أو أداة توبيخ أو أداة تشفٍّ.
- إن النقد مقدرة على رؤية الصورة الكاملة بحلوها ومرها،
- ومقدرة على تلمّس بواطن القوة والتسليط على أماكن الضعف والخطأ والخلل ومحاولة إزالتها بأشعة الليزر، أو المراهم أو بالأدوية وربما بالدعاء الصالح والحقيقي لله تعالى وليس التهكمي أو المعتقد انقطاع الأمل في المدعوّ له.
- كما أن ليس من النقد أن نقوم بقتل المريض أو بتر عضو من أعضائه، أو ذبح العفيّ.
- إن النقد للكادر التنظيمي ضرورة، وواجب، فهو يجعله يرى نفسه أولًا على حقيقته ثم الآخرين.
- لأن من يتمرس في نقد الآخرين وينسى نفسه هو في طريقه لتسييد الأنا ما يجعله ينزّه الذات على حساب الآخرين.
لذا يرتبط النقد حُكمًا بالنقد الذاتي، وعليه تمارس التنظيمات الثورية والسياسية والنهضوية والنضالية التي تبغي التغيير “النقد والنقد الذاتي” وتجعله بندًا خاصًا في جلساتها أو اجتماعاتها الدورية.
إن الخطأ والصواب في الأمور الحياتية والسياسية وفي معاش الناس نسبي، فلا يوجد (باستثناء ما يقرره الدين والقوانين والتشريعات بوضوح) خطأ مطلق أو صواب مطلق، فما قد أراه صوابًا تراهُ أنت خطأ أو تعطيه نسبة من الخطأ أو الصواب.
قام أحمد بإلقاء حديث (خطبة) في مجموعة من الطلاب بالجامعة حول أهمية مقاطعة بضائع المستخربات (المستوطنات) فصفقت له مجموعة وتبرمت مجموعات،
– فمنهم من رأى الدعوة غير كافية إذ يجب مقاطعة كافة البضائع الإسرائيلية.
– ومنهم زاد عليها الدنماركية والأمريكية!
– والبعض رأى أن مقاطعة بضائع المستوطنات “كلام كبير” يحتاج لتحديد هذه البضائع بالاسم والعلامة والصورة وبجملة “ابدأ بنفسك”.
– وفئة رأت عدم وجود الإرادة أو الإمكانية لمقاطعة منتج واحد مثل عصير (تبوزينا) الصهيوني فكيف نتمكن من المقاطعة لما هو أبعد؟!
إن هذه (وغيرها) آراء تأخذ أبعادًا اجتماعية أو سياسية أو تنظيمية وشخصية، وهي نسبية ويجب ألا ينظر كل صاحب فكرة أو رأي لما يقوله على أنه مطلق أو الصواب الأوحد فتعدّد الصواب أو البدائل أو الخيارات أصبح شيئًا مفهومًا ومتقبلًا إلا عند ذوي القوالب الفكرية المصبوبة والفكرانيات (الأيديولوجيات) التسلطية، أو عند الحمقى وجهّال الناس والمصابين حديثًا بتعفن الدماغ الرقمي.
إن التشبث بالصواب دون إمكانية زحزحة (الصحيح: رأيي على صواب يحتمل الخطأ ورأيك على خطأ يحتمل الصواب) يُدخلنا في مربع التعصب الذي يؤدي لثلاثية التدمير: (التكفير أو/و التخوين أو/و التشهير) وعليه فإن الآليات التنظيمية أو الشوروية (الديمقراطية) هي الحاكم في معظم مسائل تعددية الرأي وليس الصوت العالي أو الشتائم، وليس لمَن وضع على رأسه عمامة الأولياء، أو لبس رداء العلماء أو القادة، أو اعتمر قبّعة الافتتان بالأجانب.
في مثالنا عن المقاطعة للبضائع الإسرائيلية والآلاف مثله يتبين أن التعددية في الآراء أصلٌ كما هو بالآية الكريمة “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” وكما هو “لنهدينهم سبلنا” وكما هو “ولا يزالون مختلفين” والكثير من الآيات الحكيمة التي جعلت من التعدّد أصل الوجود في الشكل والفكر والرأي.
وبما أن التعددية أصلٌ فلماذا إجبار الناس على رأي واحد أو فكرة واحدة! لذا كان الاجتهاد رأيًا أو أكثر مقابل رأي أو أكثر فتشكلت الآراء، وظهرت الديمقراطية وكانت الفروع والأصول، والأولويات والثانويات، ونشأت المفاهيم والعلوم. ولما استاء المتسلطون والحكّام والأقوياء والجبابرة والمستبدّون من المعارضة أسقطوا على أنفسهم قدسيات متعددة مثل القدسية النابعة من الله (الثيوقراطية) أو قدسية الرأي الحكيم والسديد (لانتماء قبلي أو عشائري أو حزبي…) أو قدسية الأغلبية (الديمقراطية المستبدة) أو قدسية الدستور أو الصلاحيات والتمادي، وكأن أيّ من هذه ليست صنعًا بشريًا له آليات محددة تصوغ العلاقة بين الحاكم والشعب أي بين الناس.
إن الخروج على رأي الآخرين أو على الدولة الغالبة أو على رأي السلطان كان يُعدّ تمردًا مذمومًا وثورة مرفوضة تقابل بالسيف والذبح، وبرغم أن الصواب قد يكون في أحد المعسكرين (أو في أجزاء من هنا وهناك) فإنّ تطور البشرية لتتقبل الخروج أو التمرد أو الثورة أو المعارضة باعتبارها حقاً للمختلفين جاء بعد مئات السنين ومئات الحروب، وما زلنا مختلفين.
ما نريد قوله إن الاختلاف والخروج والمعارضة أصبح حقًا وله درجاته وأنواعه، فالخروج ضد الاحتلال والظلم والاستبداد (على نسبية الفهم) أصبح في العصر الحديث مما يلقى قبولًا ودعمًا، فما بالك بالاختلافات والخلافات في نطاق البلد الواحد أو الحزب (التنظيم/المنظمة) الواحد أو البيت الواحد.
إن الحوار أداة تنظير من جميع المختلفين يُعلون من شأنها وقد لا يطبقونها، حيث أنه حين تصطدم أفكارهم العالية أو السامية أو المحصنّة المكتفية بذاتها أو المقدسة بمعارضة شديدة خاصة وهم بالحكم لا يجدون بدًا من استخدام السيف أو السكين ضد مخالفيهم وبتعليلات عدة، وعندما يكونون في موضع الضعف تظهر المظلومية وتضخيم التضحيات وكأن لا أحد غيرهم عانى اضطهادًا أو ذاق مرارة! وإن كان ذلك رد فعل طبيعي للمظلوم فإن ما يثير العجب أن يمارس المظلوم حين التمكين نفس أساليب من ظلمه دون وازع من دين أو ضمير لأن السلطان طغيان.
إن الإيمان الصارم بالحوار بشقّيه الأول حرية القول والتعبير، وثانيه الالتزام بين المتحاورين (وربما نقول ثالثه بالمقصد النهائي أن نتفق معًا) يستدعي هنا النقد وضرورته. ما نقول إنه يوجب دومًا أن يتمتع الشخص أو الكادر بعقلين معًا هما العقل الناقد من جهة والعقل المبدع من جهة أخرى، فلا قيمة لدى كادر السياسة أو التنظيم أو الكادر المجتمعي عامة لأن يمتلك زلزالًا مدمرًا من النقد قد يقلب الطاولة إن لم يكن بيده اليمنى سَرِيّة متكاملة من الحلول والإبداعات.
إن النقد في المجتمع والسياسة والتنظيم عامة، وفي ظل الخلافات والرؤى المتعددة خاصة، ظاهرة صحية وليست سلبية فهي إذ تُظهر ما لم يلمسه المختلفون تستطيع أن تقرر البدائل وتستطيع أن تضع الأصبع على الجرح، وهي آلية علاج مطلوبة ضمن آليات محددة ما دامت تبغي التصويب لا الهدم، وتبغي التغيير لا السحق للآخر.
(كتبنا المقال ونشرناه لأول مرة عام 2012 ونعيد النشر مع التنقيح عام 2026م).
