قراءة في مخرجات ودلالات المؤتمر العام الثامن لحركة فتح استناداً إلى كتاب “فتح بعد المؤتمر الثامن 2026”
قراءة في مخرجات ودلالات المؤتمر العام الثامن لحركة فتح[1]
استناداً إلى كتاب “فتح بعد المؤتمر الثامن 2026“
أولاً: أبرز المخرجات السياسية والتنظيمية
يُعدّ المؤتمر الثامن، الذي عُقد في مايو 2026 بمشاركة نحو 2595 عضواً عبر أربعة مواقع (رام الله، غزة، القاهرة، بيروت) وهو ما يُمثّل السابقة الأولى في تاريخ الحركة، مناسبةً تنظيمية ضخمة انتهت بالمخرجات التالية:
تنظيمياً: انتُخب 18 عضواً للجنة المركزية من بين 59 مرشحاً، و80 عضواً للمجلس الثوري من بين أكثر من 450 مرشحاً. وتشير المعلومات إلى أن نحو نصف أعضاء اللجنة المركزية السابقة استُبدلوا، مع إعادة انتخاب الرئيس محمود عباس بالإجماع رئيساً للحركة. وللمرة الأولى في تاريخ الحركة، انتُخب ثلاثة أعضاء للجنة المركزية من المقيمين في قطاع غزة: أبو ماهر حلس، وإياد صافي، وتيسير البرديني.
سياسياً: أصدر المؤتمر بياناً ختامياً أكد على الثوابت الوطنية: مركزية منظمة التحرير الفلسطينية، وحق العودة، والقدس عاصمةً أبدية، ورفض فصل غزة عن الضفة. غير أنه لم يُجرِ أي مراجعة للبرنامج السياسي، ولا سيما ملف العلاقة مع “إسرائيل”.
ثانياً: مدى الاستجابة للتحديات
تكشف قراءة الأطروحات في الكتاب، من سويلم إلى أبو حبلة إلى هاني المصري إلى د. مروان طوباسي، عن إجماع شبه تام بأن المؤتمر أخفق في الاستجابة الحقيقية لتحديات المرحلة. وتتمحور أوجه الإخفاق في:
| ما كان مطلوباً | ما جرى فعلاً |
| استراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال والإبادة | مؤتمر انتخابي بامتياز |
| مراجعة سياسية لمسار أوسلو | لا مراجعة ولا مساءلة |
| تحديد طبيعة الصراع وأدوات مواجهته | خطاب تقليدي معاد الإنتاج |
| رؤية لغزة وما بعد الحرب | غياب تام للمعالجة البرامجية |
| إصلاح بنيوي للتنظيم | إعادة إنتاج للواقع القائم |
يصفه سويلم بأنه “فرصة الاستنهاض الضائعة”، ويرى أن الحركة “لن تُتاح لها بعد هذا المؤتمر فرصة حقيقية أخرى للتغيير”، بل يذهب إلى القول أنه “كنّا نخاف على فتح أما الآن فأغلب الظن أننا باتنا نخاف منها”.
ثالثاً: الرسائل السياسية والتنظيمية
على المستوى الداخلي:
الرسالة الأبرز هي ترسيخ هيمنة التيار المركزي الحاكم، وهو ما وصفه بكر أبوبكر بـ”منطق السيطرة المطلقة”، وتقعيد ثقافة “التقبّل بالإذعان الكامل” بوصفها انضباطاً. كما عكس المؤتمر أن التحالفات لا تقوم على أرضية فكرية أو سياسية، بل على قاعدة انتخابية انتهازية صرفة. والرسالة للكوادر: الولاء ضمانة النجاح، والكفاءة النقدية مدعاة للإقصاء.
على المستوى الخارجي:
وجّه المؤتمر رسالة تأكيد استمرار منظمة التحرير مرجعيةً وحيدة للتمثيل الفلسطيني في مواجهة محاولات التجاوز، غير أن غياب البرنامج الواضح أضعف قدرته التفاوضية والدبلوماسية. كما وصفه المحلل محمد مشارقة بأنه “إعادة ترتيب داخلية لا مراجعة فكرية”.
رابعاً: التجديد أم تكريس الاتجاهات القائمة؟
الإجابة التي يُقدّمها الكتاب بأصوات متعددة هي: تجديد شكلي لا جوهري. فالتجديد الكمّي (تغيير نصف أعضاء اللجنة المركزية، أعلى مشاركة عددية في التاريخ) لا يرقى إلى التجديد النوعي. يلخّص هاني المصري ذلك: “بقي القديم السياسي على قدمه رغم التجديد الكبير في بعض الأسماء… معظم الجدد قدامى”.
وعلى مستوى البنية القيمية الداخلية، يوثّق بكر أبوبكر الأزمة في أربعة عشر مؤشراً، أبرزها: موت الضمير الجمعي، وتحول النقد إلى جريمة، وانقلاب منظومة القيم بإحلال الولاء محل الكفاءة، وهيمنة “الإنسان الوظيفي الانتهازي” على حساب الرسالي النضالي.
خامساً: نقاط القوة والضعف
نقاط القوة:
- إثبات قدرة الحركة على الانعقاد في ظروف بالغة الصعوبة (حرب، انقسام، ضغوط)
- أكبر المشاركات العددية في التاريخ التنظيمي للحركة
- تمثيل غزة لأول مرة بثلاثة أعضاء في اللجنة المركزية
- تجديد الشرعية الانتخابية وإن كانت إجراءات المؤتمر مثيرة للجدل
- بقاء مروان البرغوثي في الصدارة، مما يُبقي رمزية المقاومة حاضرة
- حضور أصوات نقدية من داخل الحركة أفصحت عن أزمتها بشجاعة
نقاط الضعف:
- انشغال المؤتمر بالانتخابات على حساب الرؤية السياسية؛ قال د. ياسر أبو بكر إن “فلسطين اختفت تقريباً من النقاش”
- مقاطعة التيار الوطني الديمقراطي (دحلان) مما يكرّس الانقسام الداخلي (حسب فهم البعض)
- غياب نقاشات جدية حول البرنامج السياسي، إذ “كانت القضايا الكبرى لا تُطرح في القاعة بل في الممرات”
- ادعاءات (غير موثقة وبلا دليل) بتوزيع المال السياسي والتأثير في مسار الانتخابات
- الفوضى التنظيمية واللوجستية في إدارة المؤتمر
- فشل نظام التصويت عن بعد لأبناء غزة بسبب ظروف الحرب وإشكاليات تقنية
سادساً: التقييم في ضوء التحديات الوطنية
يواجه تقييم المؤتمر مفارقة حادة في الزمن والمضمون: إذ عُقد في ظل أخطر اللحظات الوجودية (حرب إبادة في غزة، استيطان مسعور في الضفة، مشاريع تصفية سياسية أمريكية-إسرائيلية) وجاء خالياً من أي استراتيجية مواجهة.
يُجمع كتّاب الكتاب على ثلاث ثغرات جوهرية:
أولاً – غزة والحرب: لم يُقدّم المؤتمر أي تصوّر لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، ولم يعالج مشروع “مجلس سلام ترامب” الذي استُبعدت منه منظمة التحرير. وبحسب د. طوباسي فإن المؤتمر لم يُحدد طبيعة الصراع: “هل ما زال تحررياً ضد استعمار استيطاني أم اختُزل في إدارة أزمة إنسانية؟”.
ثانياً – الاستيطان وانسداد الأفق: غاب عن البيان تناول سياسات الضم الزاحف، وهدم المنازل في القدس والأغوار، وعمليات التهجير في مخيمات جنين وطولكرم. وغاب الحديث عن خطة عملية للتحرر من قيود أوسلو الأمنية والاقتصادية.
ثالثاً – الانسداد السياسي: تجلّى أوضح ما يكون في إعادة انتخاب عباس (90 عاماً) بالإجماع دون أي خطة جدية للخلافة أو للانتقال القيادي، وهو ما يجعل الحركة أمام فراغ قيادي وشيك دون إطار واضح لإدارته.
سابعاً: دلالات تركيبة الهيئات القيادية المنتخبة
تكشف قراءة نتائج الانتخابات عن جملة دلالات بالغة الأثر:
في اللجنة المركزية: حصل مروان البرغوثي على أعلى الأصوات مرة ثانية، وجاء ماجد فرج (رئيس المخابرات) ثانياً، وجبريل الرجوب ثالثاً، وحسين الشيخ رابعاً. أما ياسر عباس (نجل الرئيس) فقد فاز بالمرتبة الثامنة رغم غيابه عن القواعد التنظيمية، مما فسّره المحلل مشارقة بأنه يأتي ضمن “حماية الأصول المالية للعائلة” في ظل الحصانة التنظيمية.
الانعكاسات على المستقبل: تكشف التركيبة عن:
- صعود مؤسسة الأمن صعوداً لافتاً في قيادة حركة تحرر وطني
- لجنة مركزية “متعددة الأقطاب لا تجمعها رؤية مشتركة بقدر الحرص على إبقاء التوازن القائم”
- هيمنة جغرافيا الضفة على حساب التمثيل الجامع للشعب الفلسطيني
- صعود “شعبوية” قائمة على الرمزية الميدانية لا على الكفاءة الاستراتيجية
- تمهيد مدروس لمرحلة ما بعد عباس، دون الحسم في تحديد خليفته
ثامناً: المؤتمر والوحدة الداخلية
استطاع المؤتمر تحقيق تماسك شكلي لا وحدة حقيقية. فالوحدة الحقيقية تتطلب شمولاً وشراكة وحواراً مفتوحاً، وهو ما افتقده المؤتمر على ثلاثة مستويات:
وحدة الحركة مع ذاتها: استمرار مقاطعة تيار دحلان، واحتجاج عدد من القيادات على نتائج الانتخابات (قدورة فارس وغيره)، وشكاوى واسعة من التدخل في مسارها، كل ذلك يُعمّق حالة التشقق الداخلي لا يداويها.
وحدة القيادة مع القاعدة: وصف بكر أبوبكر هوّة حقيقية بين القيادة والقاعدة، ويرصد د. ياسر أبو بكر “حزناً نبيلاً” في أوساط الكوادر المخلصة التي وجدت نفسها خارج اللعبة الانتخابية.
وحدة فتح مع الساحة الفلسطينية: غياب أي مبادرة لإنهاء الانقسام مع حماس، واستمرار الفجوة بين النظام السياسي والواقع الشعبي في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.
خلاصة تركيبية
يُقدّم كتاب “فتح بعد المؤتمر الثامن” صورة مركّبة لحركة تملك إرثاً تاريخياً عظيماً وتعاني أزمةً بنيوية عميقة. إن جوهر هذه الأزمة، كما يرصده عشرات الكتّاب في الكتاب، هو انقلاب الأولويات: من الحركة التي كانت تُقدّم الرسالة على المنصب، إلى المؤسسة التي باتت تُقدّم السلطة على القضية، ومن التنظيم الحامل للمشروع الوطني إلى الجهاز الإداري لسلطة تحت الاحتلال.
بيد أن الكتاب في مجمله لا يذهب نحو إعلان نهاية فتح، بل نحو الإلحاح بمراجعتها؛ لأن القضية الفلسطينية في هذه اللحظة المصيرية لا تتحمّل فراغاً في مركز ثقلها الوطني الأكبر.
[1] اعداد أكاديمية فتح الفكرية وتم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي ضمن الأسئلة المقدمة له مع المراجعة والتنقيح.