فكر

قراءة مقارنة بين كتابَي “الانعطافة” و”فتح بعد المؤتمر الثامن”

قراءة مقارنة بين كتابَي “الانعطافة” و”فتح بعد المؤتمر الثامن

بين المتفق والمختلف، والمشهد العام: المخرجات والدلالات[1]

 

أولاً: الكتاب الأول “الانعطافة” — ما قبل المؤتمر

طبيعة الكتاب وبنيته

يضم الكتاب الأول 233 مساهمة جُمعت في الفترة السابقة لانعقاد المؤتمر في 14 مايو 2026، وصدر عن أكاديمية فتح الفكرية (أكاديمية الشهيد عثمان أبوغربية)، بإشراف بكر أبوبكر. وقد جمع أقلاماً من مختلف الأجيال والمواقع التنظيمية والجغرافية، مع قلة من خارج الحركة. رصد المحرر ست تيارات فكرية متمايزة داخل هذه المشاركات:

  1. تيار الإصلاح الجذري: يرى المشكلة بنيوية، ويطالب بإعادة تعريف الحركة والمشروع الوطني.
  2. التيار الإصلاحي الواقعي: يؤمن بالتدرج والإصلاح من الداخل عبر القانون والمعايير.
  3. تيار الشرعية والاستمرارية: يدافع عن القيادة الحالية ويربط التغيير بالأهداف الوطنية لا بتغيير القيادة أولاً.
  4. التوجه الأخلاقي القيمي الثوري: يركز على استعادة روح فتح عبر الانتماء والتضحية والضمير.
  5. فكرة القاعدة الديمقراطية: تركز على الانتخابات ورفض التغيير الفوقي.
  6. نقد العقليات الحاكمة: يرى الحل في تغيير الوعي والثقافة وتغيير الذات.

أبرز المطالب والتوافقات في الكتاب الأول

على صعيد التشخيص — اتفق غالبية الكتّاب على:

  • أن المؤتمر الثامن يأتي متأخراً خمس سنوات عن موعده النظامي (2021)، وأن هذا التأخر ليس مجرد إشكالية إجرائية بل يعكس أزمة بنيوية.
  • أن الحركة تعيش “قلقاً وجودياً” حقيقياً يتمثل في تآكل قواعدها والفجوة المتسعة بين القيادة والجمهور.
  • أن المؤتمر السادس والسابع عمّقا أزمة الحركة بدل معالجتها.
  • أن هناك انقساماً ضمنياً داخل الحركة يتمحور حول الصراع على المناصب أكثر من التنافس حول الأفكار.

على صعيد المطالب — طالب الكتّاب عموماً بـ:

  • ضمان عدالة التمثيل وشفافيته، مع الكشف عن كشوف العضوية علنياً.
  • إعطاء المرأة والشباب والأسرى حصصاً مناسبة في الأطر.
  • إصلاح النظام الداخلي ومعالجة ثغرات المادة 14.
  • فصل اللجنة التحضيرية عن المرشحين لتجنب تضارب المصالح.
  • إخراج المؤتمر ببرنامج سياسي واضح لا الاكتفاء بالانتخابات.
  • الكشف الكامل عن ممتلكات المترشحين ومحاربة الفساد.
  • اعتراف صريح بأن السلطة التي تتعلق بالخليفة يجب ألا تؤثر على تحضير المؤتمر.

على صعيد الموقف من المؤتمر — ثمة توافق واسع على أن:

  • إجراء المؤتمر أهم من وقته، لكن إجراءه بصورة فاشلة أخطر من تأجيله.
  • المؤتمر ليس صندوق انتخاب فقط، بل محفل للتخطيط والتداول وإعادة رسم المسار.
  • الفرصة الأخيرة: كثير من الكتّاب يرى أن فشل المؤتمر الثامن سيكون “كارثة لا تعالَج لأمد طويل”.

ثانياً: الكتاب الثاني “فتح بعد المؤتمر الثامن” — ما بعده

طبيعة الكتاب وبنيته

صدر في يوليو 2026 ويضم 61 مشاركة، وهو تغذية راجعة لنتائج المؤتمر الذي عُقد في مايو 2026. يرصد الكتاب ردود الأفعال من كتّاب وكوادر ومحللين، معظمهم من داخل الحركة أو المحيطين بها.

أبرز ما جاء في الكتاب الثاني

على صعيد النتائج الانتخابية — أفرزت نتائج المؤتمر:

  • تجديد نصف أعضاء اللجنة المركزية، وفاز البرغوثي (الأسير) بالمرتبة الأولى، يليه ماجد فرج، ثم جبريل الرجوب، ثم حسين الشيخ، ثم ليلى غانم، ثم محمود العالول.
  • سقوط قيادات من الحرس القديم، من بينهم رئيس المجلس الوطني وأمين سر اللجنة التنفيذية.
  • غياب تام لأي ممثل من الشتات/الخارج رغم أن نصف الشعب الفلسطيني في المنفى.
  • هيمنة رام الله ونابلس على التمثيل مع تراجع الخليل وغزة.
  • تزكية أبو مازن رئيساً في بداية المؤتمر بالتصفيق لا الاقتراع، دون كشف حساب.

على صعيد تقييم المؤتمر — الرأي العام في الكتاب يتمحور حول:

ثالثاً: المقارنة — المتفق والمختلف بين الكتابين

 

ما اتفق عليه الكتابان

1- الأزمة البنيوية العميقة

كلا الكتابين يؤكدان أن المشكلة ليست في القيادات أو الأشخاص، بل في بنية النظام التنظيمي نفسه. الكتاب الأول حذّر من إعادة إنتاج الواقع في المؤتمر، والكتاب الثاني أكد أن هذا ما حدث بالضبط.

2-الفجوة بين الشرعية التنظيمية والشرعية التمثيلية

هذه القضية المركزية التي أثارها الكتاب الأول (من الذي يمثل الحركة فعلاً؟) جاء الكتاب الثاني يؤكد أنها لم تُحل، بل تعمّقت: نسبة من تنطبق عليهم شروط العضوية الحقيقية تقدر بـ20% فقط، بينما الباقون دخلوا بحسابات إدارية ووظيفية.

3- غياب النقاش السياسي الحقيقي

الكتاب الأول كان يطالب بمؤتمر يناقش البرنامج السياسي ويراجع التجربة، والكتاب الثاني يشهد بالإجماع أن المؤتمر لم يشهد “أي حوار بشأن البرنامج السياسي”، واكتفى بالانتخابات والتوازنات.

4- خطر ابتلاع السلطة للحركة

كلا الكتابين يرسمان نفس الخط التحليلي: انتقال فتح من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة تحت الاحتلال، مع ما يترتب على ذلك من تراجع في الشرعية الشعبية والقيم الثورية.

5- قضية البرغوثي

الكتاب الأول يشير إليه باعتباره الأكثر شعبية والأحق بموقع قيادي، والكتاب الثاني يسجّل أنه حصل فعلاً على المرتبة الأولى من الأسر، وهو دلالة على الهوّة بين الشرعية الشعبية ونظام الحكم الفعلي.

ما اختلف فيه الكتابان

المحور الكتاب الأول (قبل المؤتمر) الكتاب الثاني (بعد المؤتمر)
1-الموقف من التجديد أمل حذر في أن يحقق المؤتمر تغييراً حقيقياً خيبة أمل واسعة؛ “التجديد” جاء من “القماشة ذاتها”
2-الموقف من القيادة نقد وتحذير، مع تحفظ على إسقاط الشرعية إعلان صريح أن المؤتمر عمّق الأزمة لا عالجها
3-درجة الأمل توافر تيار “الاستمرارية” الذي دافع عن القيادة تراجع واضح لأصوات التبرير، وصعود أصوات الانتقاد الجذري
4-مسألة الخلافة طُرحت بحذر كهاجس مبطّن صارت محوراً صريحاً: هندسة المؤتمر خُطط بالنظر لها
5-مسألة الشتات طالب كتّاب كثيرون بتمثيل الشتات المؤتمر أثبت استحالة ذلك فعلياً وغياباً كاملاً للخارج
6-العلاقة مع أوسلو مطالبات بمراجعته أو التحرر من قيوده البيان الختامي تجنّب مراجعته كلياً، مما عمّق الانتقادات
7-نبرة الخطاب قلق وجودي وإحساس بالفرصة الأخيرة أقرب إلى المرثية والتقييم البارد بعد انتهاء الرهان

 

ثالثاً: القراءة العامة للمشهد — المخرجات والدلالات

المخرجات التنظيمية: نجاح شكلي وإخفاق جوهري

نجح المؤتمر في الإجراء -وهو ليس أمراً هيّناً في ظل الحرب على غزة وتقييد حركة المؤتمرين- وفي إعادة إنتاج مؤسسات الحركة القيادية، وفي تجديد نصف اللجنة المركزية.

لكن جوهر الأزمة ظل كما هو: لم تجرِ مراجعة سياسية للمسار، ولم يُقدَّم برنامج وطني جديد، ولم تُحسم إشكالية التوريث، ولم تُعالَج قضية التمثيل غير العادل.

الدلالة الأولى: الانتقال من الثورة إلى الإدارة بات حقيقة مكرّسة

أبرز ما تكشفه قراءة الكتابين معاً هو أن “الانعطافة” التي تحدث عنها عنوان الكتاب الأول قد اكتملت – لكن في الاتجاه المعاكس لما أراد الكتّاب.

انعطفت حركة فتح تماماً نحو نموذج “حزب السلطة الإداري” وابتعدت عن نموذج “حركة التحرر الوطني”.

البيان الختامي للمؤتمر – الذي وصف بأنه “حضرت اللغة وغابت السياسة” – يعكس هذا التحول بصورة فجّة.

الدلالة الثانية: أزمة الشرعية الثلاثية

يرصد الكتابان معاً انهياراً في الشرعية المركّبة التي تحتاجها الحركة:

  • الشرعية التاريخية لا تزال موجودة لكنها تنحصر في الرمزية.
  • الشرعية النضالية تآكلت بالاستثمار في “أوسلو” ومقتضياته.
  • الشرعية الديمقراطية تخلخلت بعد مؤتمر انتهت فيه الرئاسة بالتصفيق لا بصندوق الاقتراع.

وقد كشف الكتاب الثاني أن شعبية أبو مازن لا تتجاوز 10% في استطلاعات الرأي بينما يحصل على إجماع الحركة – وهذا التناقض يلخص الأزمة في جملة واحدة.

الدلالة الثالثة: خطر التوريث ومسألة ما بعد الرئيس عباس

كانت هذه القضية مطروحة في الكتاب الأول بصورة مضمرة، وجاء الكتاب الثاني يكشفها صراحةً باعتبارها أحد محاور “هندسة الانتخابات”: صعود ماجد فرج المرتبة الثانية، وإبراز حسين الشيخ، وترشّح طارق عباس وما آثاره من جدل. هذا يشير إلى أن المؤتمر كان في جزء منه ترتيباً لمرحلة ما بعد الرئيس.

الدلالة الرابعة: الشارع الفلسطيني في غياب تنظيمي حقيقي

كلا الكتابين يكشفان بصورة غير مباشرة أن الحركة باتت بعيدة عن شعبها: لا تمثيل للشتات، لا تمثيل حقيقي لغزة وسط الحرب، غياب الأجيال الشابة من القرار، وانعدام الصلة بالهموم اليومية للمواطن. المفارقة الأشد مرارة في الكتاب الثاني أن مروان البرغوثي – الأسير المحكوم بالسجن المؤبد – هو الأكثر شعبية انتخابياً في المؤتمر وفي استطلاعات الرأي معاً، وهذا رسالة من الكادر الحركي نفسه مفادها أن النظام القائم لا يعكس ما تريده قواعده.

الدلالة الخامسة: سؤال الاستراتيجية الوطنية لا يزال مفتوحاً

الكتاب الأول كان حافلاً بالمقترحات الاستراتيجية: مراجعة أوسلو، تحديد موقف واضح من حماس، الانفكاك الاقتصادي عن “إسرائيل”، المقاومة الشعبية المنظمة.

الكتاب الثاني يسجّل أن البيان الختامي لم يجِب على أي من هذه الأسئلة، واكتفى بـ”إعادة إنتاج الخطاب التقليدي للحركة”.

بعبارة أخرى: المشروع الوطني ما زال بلا استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعد الطوفان.

خلاصة ختامية

إن قراءة الكتابين معاً تكشف عن مسار دائري مؤسف: الكتاب الأول رصد ببصيرة نافذة التحديات الكبرى وقدّم مقترحات إنقاذ واضحة. المؤتمر جاء كما حذّر المنتقدون -مؤتمر صندوق انتخابات لا مؤتمر تخطيط ومراجعة – فكان الكتاب الثاني وثيقة في غالبه لتسجيل الخيبة لا للبناء على ما أنجزه المؤتمر.

لكن الدلالة الأعمق في قراءة الكتابين ليست في سقوط أسماء أو صعود أخرى، بل في حيوية النقد الذاتي الحركي ذاته: فالحركة التي تنتج هذا الكمّ من الصوت النقدي من داخلها لا تزال حيّة فكرياً.

والسؤال المفتوح الذي يطرحه الكتابان معاً هو: هل ستُترجم هذه الحيوية الفكرية إلى تغيير مؤسسي؟ أم أن المسافة بين صراخ القاعدة وصمت القمة ستظل سمةً مميزة للمرحلة القادمة؟

[1] تم الاستعانة بهذه القراءة ب(ذ.ص) مع اختيار الأسئلة ومراقبة الاستجابات والتصرف من قبل أكاديمية فتح الفكرية.

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى