فكر

رواية “قلب الظلام” في فلسطين

 

 

مختصر

المقال المعنون رواية “قلب الظلام” في فلسطين للكاتب بكر أبوبكر يربط بين رواية «قلب الظلام» لجوزيف كونراد وبين الواقع الفلسطيني، ويستخدم الرواية بوصفها مدخلًا لنقد الاستعمار والعنصرية والاحتلال. وفكرته الأساسية أن ما كشفته الرواية عن وحشية الاستعمار في الكونغو يشبه ما يفعله الاحتلال الصهيوني في فلسطين اليوم.

إنه يتحدث عن مضمون الرواية: رحلة مارلو إلى الكونغو ولقاؤه بعالم الاستعمار والعنف، مبرزًا كيف صوّر كونراد الاستعمار بوصفه قوة قمع ونهب لا حضارة. ويورد الاقتباسات ليؤكد قسوة المعاملة ووحشيتها وعنصريتها ضد الأفارقة. ثم ينتقل إلى مقارنة مباشرة مع فلسطين، معتبرًا أن ما يجري فيها هو شكل حديث من الاستعمار أو الاستخراب كما يحب أن يطلق عليه.

المقال

 

في سياق قصة للكاتب البريطاني البولندي الأصل “جوزف كونراد” يتعرض لجوانب من التأمل أو التساؤل المبكر، ويمكن القول لشيء من النقد للعبودية الأوربية للأفارقة تحت عنوان “قلب الظلام”. إذ أنه أثناء قراءتي للقصة صباحًا في مكتبي ومن وراء شاشة الحاسوب –على غير عادتي-حاولت تتبع أسلوب الكاتب السردي والذي فيه بعضًا من التشويق الممزوج بالغموض وأحيانًا شيء من السخرية والإحالات الأخلاقية والفلسفية لعصر الاستعمار الأبيض الكبير، حيث يتعرض لحالة البيض المستعمِرين (أو المستخربين برأيي) وحالة سكان البلاد من السود فاقبست بعضًا من ذلك. وما يحيل كل قاريء للعنصرية ذاتها التي تجدها اليوم وإن باشكال مختلفة سواء في فلسطين أساسًا، أو لدى العنصريين الأوربيين أو الأمريكان الذين يتحلّقون حول طبق لذيذ من الخرافات والأساطير التي تحملهم كرُسُل الحضارة البيضاء للعالم!

تحكي الروايةُ عن رحلة إلى نهر الكونغو في قلب إفريقيا، من خلال راوي القصة المدعو مارلو. يقص مارلو قصته لإصدقائه على متن قارب يرسو في نهر التايمز في لندن، بريطانيا. هذا المحيط يجهز إطارًا لقصة مارلو مع تاجر العاج كيرتز، والتي تُمكن المؤلف جوزيف كونراد من خلق مقارنة بين لندن وإفريقيا كأماكن ظلام.

الفكرة الرئيسية لعمل المؤلف جوزف كونراد هو أنه ليس هناك فارق كبير بين ما يسمى بالشعوب المتحضرة وهؤلاء الذين وصفوا ب”المتوحشين” أي المحتلّة بلادهم الواقعين تحت الاستعمار العنصري الأوربي، وإن عبر عن ذلك أحيانًا بشكل خجول أومتحفظ أو بشكل لامباشر لاسيما وهو في خضم عصر الاستعباد الغربي والاستخراب وقمة العنصرية البيضاء (نشرت الرواية عام 1902، وحيث الشهية للاستعمار طالت فلسطين، وبدأت الغزوة الصهيونية المبكرة)، وقد أثارت الرواية حينها تساؤلات هامة حول الإمبريالية والعنصرية.

يقول الكاتب سمير عطا الله عن القصة (بمقال له هذا العام 2025م) “لم تكن أهمية قصة “قلب الظلام” في قيمتها الأدبية فقط، بل خصوصاً في قيمتها الإنسانية. فقد أصدرها كونراد في ذروة العصر الاستعماري بأفريقيا. وجعل أحداثها تدور في “نهر الكونغو”، من دون أن يسميه. وكان النهر مثل ملايين الهكتارات جزءاً من أملاك الملك البلجيكي المجرم ليوبولد الثاني، الذي قيل أنه قضى في ذمته 10 ملايين أفريقي في تجارة العبيد. استلهم كتّاب وشعراء كثيرون رواية “قلب الظلام”. لعل أشهرهم وأهمهم “تي. إس. إليوت”. وقيل إن الكتاب كان الأول في مناهج التعليم بجامعات العالم.”

ويقول رامي أبوشهاب عن الرواية: “أنها ترتهن بالكلية لطبقات دلالية شديدة الثقل، فالرواية من موقع الاستهلال تنشغل في خلق فضائين متوازيين لعالمين شديدي الاختلاف، ومن ذلك تموضع نهر التيمز (الإمبراطورية) مع نهر الكونغو (افريقيا)، وبينهما ثمة رؤى لا تنضب في فكفكة العلاقة بين هذين العالمين: النموذج الحواضري أو “المتروبوليتان”، مقابل النموذج المهمش القائم على الأطراف، والذي يشكل مصدراً من مصادر تكوين الإمبراطورية.”

ودعنا نحن نبدأ الاقتباس من قصة “قلب الظلام” لجوزف كونراد (1857-1924م) وترجمة حرب محمد شاهين، الصادرة عام 2004م، ونشر دار المصير في دمشق، حيث ارتأينا-ونحن في أتون الغزوة الصهيونية المتجددة على غزة وفلسطين عام 2023-2026م نقل التالي:

“لقد كانوا غزاة، وعندما تكون غازيًا فإن كل ما تحتاجه هو القوة الهمجية فقط، وما من داعٍ للتباهي أوالتفاخر عندما نملكها ونحصل عليها من حادث مفاجيء قد انبثق من ضعف الآخرين….”، ويضيف الكاتب ص12 أيضًا، وبحذر “إن احتلال الأرض والذي يعني سلبها من أولئك الذين يختلفون عنا في البشرة، أو الذين يمتلكون أنوفًا اكثر انبساطًا من أنوفنا، ولن يكون لائقًا عندما تتمعن فيه، ولعل الاسترسال في التأمل الباطني لذلك ما هو الا مجرد خاطر عابر…”

“تشارلي مارلو”-الشخصية الرئيسة والراوي- يتحدث بالقصة ويصف الزنوج الأفارقة في رحلته ص28 قائلًا: “…بدت مفاصل أوصالهم أشبه بعقد حبل، ولقد كان عنق كل واحد منهم مطوّقًا بطوق حديدي، وكانوا جميعًا موثوقين بسلسلة تترنح عقدها وتتمايل بين هؤلاء الزنوج وبالتناغم مع إيقاع الخشخشة”، “مروا بقربي غير مبالين، تمامًا كمبالاة ميت منبعثة للمتوحشين الأشقياء”. وحين يصف معاملة المستعمِر (المستخرِب برأينا) الزنوج ص30 وكأنهم أعداء أو مجرمين يقول:” لقد كانوا يموتون ببطء وعلى مهل، وذلك أمر واضح كل الوضوح فهم ليسوا أعداء وليسوا مجرمين (…) ولا ينتمون الآن الى أبناء الأرض، وما هم إلا أشباح سوداء تجسد المرض والجوع، فينطرحون في مكان مظلم ضارب الى العفن، وقد جيء بهم من جميع الجهات المنعزلة عن الساحل وفقًا لعقود اتفاق قانونية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فتاهوا في أماكن غير ملائمة لطبيعتهم….”، ثم يسهب في رسم الصورة المرعبة لهؤلاء “البوساء” ووضعيتهم كمستعبدين للعمل في الشركة النهمة لتجارة العاج التي يعمل بها بطل القصة.

ولننظر كيف يتم التعامل مع أهل البلاد بصيغة الحديث ص 35 حين الحديث عن رحلة برية في افريقيا “وهكذا تابعت السير العشوائي يومًا بعد يوم بينما كانت تتبعني مجموعة مؤلفة من 60 زوجًا من الأقدام العارية، وكنت أتحمل كلفة كل زوج بمبلغ معين لنقل غرض ما، بما في ذلك التخييم والطبخ أو النوم…وبين حين لآخر كان حمّال يفارق الحياة أثناء القيام بعمله الاعتيادي، كان يفارق الحياة بعد أن يطلب الاستراحة على العشب الطويل قرب النهر….”!؟

وحيث يحملُ البيض الغزاة الهراوات لتأديب السود “وأظنهم يصطحبونها معهم الى السرير أثناء الليل-ص46” فإن الضربات الموجعة تقابل بالأنين والتأوه فهم ينالون ما يستحقون! لانتهاك حرمات فليَنَل أي منهم العقوبة المناسبة! “الضربة القاضية بلا رحمة أو شفقة، إنه لا يستحق الرحمة أو الشفقة ، هذه هي الطريقة التي تضع حدًا لأي حريق مفتعل في المستقبل…” ص45

نواصل الاقتباس من القصة، وحيث لاداعي للإشارة كمقارنة لما يحصل اليوم من آخر استخراب (استعمار) واحتلال لأرض في العالم أي الاحتلال الصهيوني لفلسطين، فهو يُرى بعدوانه وقتله وإبادته للفلسطينيين في غزة والضفة بالصوت والصورة والحركة والأنين والدخان المتصاعد والدم اللزج في وجوه البشرية، ونُكمل…

في حديثه عن حمّى تجارة العاج وصراع البيض والمنافسة الشديدة عليه بالبلد الافريقي غير مبالين بآلام وأحزان وموت الأفارقة يستطرد بقصته وخاصة عن شركة “إلدورادو” المتوغلة بالعمق الافريقي عبر النهر. فيكتب ص 61 “كنا نتجول مذعورين على أرض تعود الى ما قبل التاريخ، وعلى أرض تكتسي مظهر كوكب مجهول، وقد استطعنا أن نتخيل أنفسنا على شكل رجال أولين أستولوا على ميراث بغيض فيه اللعنة، وقد تم اخضاعه وقهره مقابل ألم مبرح جسدي ونفسي مقابل عمل شاق ومرهق…”. مضيفًا عن الزنوج بالقول “وكان رجل ما قبل التاريخ يلعننا ويصلّي من أجلنا، ويرحّب بنا، من يستطيع أن يتنبأ؟”، وحين يتم وصف الزنوج من إحدى الشخصيات، فهم “غير بشر”، و”يقفزون كالضفادع” و “وجوههم بشعة بغيضة” بل “وأكثر ما كان قبيحًا هو التفكر في طبيعتهم البشرية كطبيعتكم أنتم؟!” “ولعل التفكير في قرابتكم البعيدة مع هذه الجلبة المتوحشة شيء بشع….” ص62

وحين التعرض لأحد الزنوج (الذين لا يستحقون التعليم او الثقافة) ص64 يذكره بسخرية أوتذكير أنه بشر كالتالي: “ولهذا الشيطان المسكين أسنان منسقة إضافة الى ثلاثة ندوب تزيينية على كل خد، وكان الأولى لهذا العبد أن يلازم ضفة النهر ويصفق بيديه ويحدث برجليه إيقاعات رقصة متوحشة بدلًا من ممارسة عمل شاق محشو بالمعلومات المتطورة…”!، ولأنه لا يستحق الثقافة أبدًا (فهي خاصة بالبيض فقط) فلقد كان مقيدًا إذ “لابد للروح الشريرة داخل الرجل أن تستشيط غضبًا عبر فداحة عطشه وسوف تنتقم انتقامًا مريعًا…”

وصادفتنا عديد الجمل الجميلة في ثنايا القصة منها أذكر واحدة مثلتني حين يقول: “كان المدير….يناديني…فوضعت الكتاب في جيبي فورًا، وإني لأوكد بأن الانقطاع الفوري عن القراءة لهو أشبه بمن يحاول انتزاعي من مرفأ صداقة متينة وقديمة” ص 66.

ويتساءل “مارلو” بسخرية في إطار مسار نهري مع البحارة السود كيف لم يأكلونهم!؟ “ماذا عساي أن اقول أأعني أني غير قابل للشهية”! ص72

وفي معرض وصفه لهجوم بدائي افريقي على سفينتهم التي تعبر النهر الكبير ينطق الحق حيث “كانت الأسهم تصلنا بأعداد كبيرة، ولربما كانت مسمومة ولكنها تبدو عاجزة حتى عن قتل قطة، وبدأت الغابة تعوي فقد أطلق قاطعو الأخشاب صرخة الحرب….” ص79

هل ترون تشابهًا فيما فعله الصهاينة المستخربون الغزاة الأوائل بالفلسطينيين منذ تم غزو فلسطين العربية بالدعم الامريكي والبريطاني وعبر المرويات التوراتية الخرافية من جهة، ومعها الأطماع الاستعمارية الاقتصادية والسياسية الضخمة لتدمير البلد والمنطقة والهيمنة عليها للأبد!؟ وما يتم الآن في شقي فلسطين الشائكين بالضفة وغزة وصولًا الى الهيمنة المتواصلة عبر النار والحديد والتقانة والسردية، أو عبر “اتفاقات أبراهام” التوراتي، أو آليات التتبيع للهيمنة الصهيو-أمريكية.

في حديث طويل للنفس والحوار الذاتي للراوي بالقصة فيه ما هو جميل وفيه المضطرب وحين يذكر تقريرًا كُتب لصالح “الجمعية العالمية لإلغاء العادات المتوحشة”؟ يقول كانت بدايته ص87 تقول “نحنُ البيض وانطلاقًا من نقطة النمو والتطور التي وصلنا اليها يتحتم علينا الظهور أمامهم ككائنات خارقة للطبيعة، وأن نتقرّب إليهم عبر قدرة تتسم بقدرة أله…”!

وحين الحديث عن التفاصيل الفظيعة بحق الأفارقة يقول ص103 “انتابني شعور بأن هذه التفاصيل لا بد وأن تكون أكثر فظاعة من مشهد هذه الرؤوس الجافة المعلقة على الأعمدة تحت نوافذ السيد “كورتز”، وبعد كل ذلك كان مجرد منظر وحشي….”. ويرد عليه أحدهم مبررًا بالقول “لقد كانت هذه الرؤوس رؤوس المتمردين…” ! معلقًا: “صدمته كثيرًا عندما ضحكت-متمردون! وماذا سيقول لي بعد ذلك؟ فهل لديه تعريف آخر؟ لا بد أنهم أعداء مجرمون عمال، ولقد كانوا متمردين….”

يقول الكاتب “آدم هوشيلد” في صحيفة السياسة الخارجية “فورين أفيرز” بمقال تحت عنوان غريب في بلاد غريبة عن الكاتب “جوزيف كونراد” كأول من تعرض لفضح وضاعة وحقارة الاستعمار في ذلك العصر، وخاصة من ليوبولد ملك بلجيكا قائلًا: “تنبع قوة الكتاب “قلب الظلام” من كونه مقتبساً من الشهور الستة التي قضاها كونراد في الكونغو في عام 1890م.” وليتساءل ويجيب “ما الذي أعطى-كونراد- هذه القدرة النادرة على رؤية الغطرسة والسرقة في قلب الإمبريالية؟ وكيف له أن يرى مهمة الملك ليوبولد -التي تم الترويج لها بشكل كبير على أنها داعمة للحضارة- على أنها عمل تأسس على الرقيق؟ يعود جزء كبير من ذلك إلى حقيقة أنه هو نفسه كبولندي يعرف معنى العيش في أرض محتلة. خلال القرن التاسع عشر، تم تقسيم أرض “بولندا اليوم” بين ثلاث إمبراطوريات مجاورة، النمسا-المجر وبروسيا وروسيا. الأمر الآخر هو أن عائلة كونراد عاشت في المنطقة الأكثر قمعاً.”

إذا نظرت لبحر فلسطين الجميل ستجده يلهج باسمها فقط صباحًا ومساء وما بينهما، كما الحال مع سمائها والهِضاب ومما تجدهُ بجبالها والنسيم العليل المترفق بوجوه الفلسطينيين منذ كانت هذه البلاد تمثل أصل الحضارة ما يقرب من نصف مليون عام، وحضاريا وحضارات متواصلة بأزيد من 20 ألف عام، وعودة الى سياق القصة لم يكن يهمني الكثير مما قيل بحق الرجل المدعو “كورتز” والذي دارت حوله أحاديث كثيرة بالقصة، بقدر ما همتني النظرة نحو الأفارقة الواقعين تحت وطأة العبودية والعنصرية والاستعمار والظلم، لذلك أهملت سياقه، وكان من أواخر ما كتبه المؤلف أن قال بختام القصة مستلهمًا سواد البلاد وافريقيتها ص139 “رفعت رأسي وبدا عرض البحرأسودًا بركام غيوم سوداء، في حين كان المجرى المائي الهاديء يتدفق نحو أقاصي الأرض ليتدفق بلونه المعتم تحت سماء داكنة، بدا وكأنه يمضي الى قلب ظلام هائل!”

 

 

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى