لقاء الكويت، وصياغة الإدراك!
لي من الأصدقاء القدامى قِلة ولكنها قِلة ثمينة لا تقدر بمال، فمنهم القلِق ومنهم المتسرع، ومنهم العاطفي المبالغ، ومنهم العقلاني ومنهم الصبور وذاك المتألم وفيهم الفَكِه وذاك المتواصل وأخيه قليل الاتصال، وتجد فيهم المترقب للأحداث أو المنخرط فيها الى درجة التشبع رغم البُعد الجغرافي وكأنه يعيش معك في فلسطين.
لي من الأصدقاء القدامى مَن بالأصالة تزيّن والمحبة أكرمني الله به، وبالطيبة والودّ ما لم أجد معه سببًا حتى الآن لعدم التواصل سوى بُعد المسافات بعد الانقلاب الكياني الذي حصل بحدثين كبيرين الأول هو غزو الكويت عام1990م، ثم الثاني بدخولي الى فلسطين عام1996م، وفي الانقلابين تباعدت المسافات الجغرافية والمهنية الى درجة أن الاتصالات قلّت ليس لتقصير مقصود من أحد وإنما لاختلاف البيئة والمكان وربما حقيقة الأفكار الوافدة وطبيعة المحفّزات وطريقة النظر.
ما كانت اللقاءات القليلة لنجتمع فيها إلا وكان أمامنا نوعان من الأحاديث الأول يتعلق بالذكريات القديمة المشتركة، والثاني بالوضع السياسي على اعتبار أنني أكاد أكون الوحيد من بين الجمع الجميل الذي انخرط بالوضع الوطني والسياسي حتى أذنيه كما يقولون بحكم انتسابي لمنظمة التحرير الفلسطينية وما انبثق عنها، ولحركة فتح بشكل عضوي.
في اللقاءات القليلة تلك الثنائية أو الجماعية-على قلّتها-كانت الذكريات وقود التقارب وكان الصفاء والنقاء والمحبة والضياء مشعل في ظلام أيام اسودّت في ظل البْعد والانخراط لكلّ منا بالشأن اليومي من جهة، وفي ظل حكومات إسرائيلية تحكم على رقاب “الأغيار” بالإعدام تحت أي مبرر وبلا أي مبرر ولسوء حظي أو حُسنه أنني من هؤلاء المحكومين بالإعدام -كما كل الشعب الفلسطيني- تحت مقصلة المحتل الدموي الذي لا يملّ الإبادة أو المذابح، ورغم ذلك هو المرتجف خوفًا حتى من طائرة ورقية من غزة أو ابتسامة طفل ساخرة بالضفة كما يحصل مؤخرًا!
تفرقت اللقاءات وتوزعت عبر السنوات الثلاثين وأكثر ما بين عمّان ودبي وأبوظبي، ورام الله لمن تمكن من الوصول إليها بعد عناء. وكان من آخر لقاءاتي الجامعة مع ثلة من الأصحاب العظام أحدها في عمان والآخر من عام مضى في الكويت التي لم أزرها منذ خرجت منها عام 1991م أي بعد عودة أهل البلاد لبلادهم الكريمة التي احتضنت واحترمت ووهبت، ثم تسامت على الجراح بأهلها الطيبين.
حطّم غزو النظام العراقي للكويت فكرة التقارب العربي وأشاع حالة من فقدان الثقة بين العرب وهي تلك الحالة التي تواصلت حتى الآن، وكأن ما حصل كان استدراجًا مقصودًا لهدف استخرابي (استعماري) عظيم هو تفتيت هذه الأمة الى أشلاء واستتباعها للمُهيمن الذي يمثلّه اليوم المهرج الأمريكي والفاشي الإسرائيلي لا سيما وتلاشي الاهتمام بما كانت من زمن “القضية المركزية” للأمة العربية!
المهم أنه في هذه اللقاء الذي لم أكتب عنه إلا اليوم أي بعد أكثر من عام من حصوله ولا أدري لماذا؟
كما لا أدري لماذا لم أقم أو لم يقم أحد بتصوير مثل هذه اللحظات التي حسبتها تاريخية وقد لاتتكرر؟ ما تبينّته لاحقًا، لاسيما أننا فقدنا أحد الأخوة الأحبة ما بين انتهاء اللقاء واليوم، أي أن الصورة لم تُسعفني -الى أن ألقاهُ بجنات النعيم بإذن الله- أن أحدثه كما كان في اللقاء الأخير رحمه الله!
لمثل هذا اللقاء -خاصة بالكويت عام 2025م-كنت قد نسجتُ من خيالي عديد الاحتمالات والبدائل (السيناريوهات) على مرّ السنين ولكن أي منها لم أستطع تنفيذه! فلقد سرقت اللحظة ووهجها ولهيبها عندي ترتيبات العقل وحلّت العاطفة الطاغية مكان الخيال المقتحم لذاكرتي حين البُعد، وما أصبح حقيقة! لم أستطع التعامل معها في ظل اختلاف النظرات والمفاهيم والمتوقع والمأمول فلربما كنتُ أريده لقاءً عاطفيًا مع قليل من السياسية وأراده الأخوة الكرام على العكس من ذلك. فلم أفهم أكان ما حصل صحيحًا أم أنه كان من المؤمل أن يجمع ما لم نستطع أن نجمعه في 30 عامًا؟ أو أكثر
أم أن افتراق الدروب والأمكنة وطبيعة البيئة والأعمال والعلاقات المستجدة والروابط الناشئة والاستتباعات اللاحقة من عائلات وصِلات قد حلّت بالفعل مكان ما كنتُ ظننته حصينًا لا يزول! وهذه حال الدنيا ومتغير الاحوال!
المهم أنه في هذا اللقاء أو اللقائين بالأحرى هناك بالكويت قد وجدت نفسي الأخرى التي قد تراكم على أعتاب روحها الصدأ في مستنقع الوجع في فلسطين، ووجدت الغامر والمثمر والشامل من الإحاطة الودودة التي يفهمها العرب عامة مرتبطة بالولائم والكرم والعيون الباسمة ولطف الكلام وعمق المعاني.
تنتقل من مكان الى آخر ولا يبقى من أخيك إلا ظلّ روحه الجميلة التي تستدعيها بكلمة أو بسمة أو لفتة أو إشارة أوموقف أوفعل تجتهد أن يكون جميلًا، وتتبرأ من أن يكون سيئًا حتى لو كان بذاك الزمن الذي ولّى قد خلّف أثرًا مؤلمًا لا تكاد اليوم تتبيّنه أو لا ترغب باسترجاعه، بل ولربما أنت نسيته الى الدرجة التي تفترض فيها عدم حصوله، أو حصول العكس!
يقول علماء النفس أن الإنسان “يعيد صياغة الإدراك” بما يغير طريقة تفسيره للحدث السيء الى جيد ويقولون بما يسمونه “تأثير التلاشي العاطفي” وهي ظاهرة طبيعية تجعل المشاعر المصاحبة للذكريات السيئة تتلاشى وتبرد أكبر بكثير من المشاعر المصاحبة للذكريات الجميلة، ولربما تكون أيضًا “إعادة كتابة للصورة الذهنية” ويعود الفضل للعالم “بيير جانييه” الأب الروحي لهذه الفكرة ومَن تلاه أمثال “آرون بيك” أبو”العلاج السلوكي المعرفي” الشهير ثم “جيفري يونغ” أبوالعلاج ب”المخططات المعرفية” وغيرهم.
ما لنا وعلم النفس! إذ أنني حاولت أن أفسّر ما يحصل، فكان العلماء هؤلاء بالمرصاد لي ولأمثالي الذين لا يقبلون أن تمرّ الأمور هكذا بلا فهم!
كميل من الأصدقاء الأصلاء مازال طائرًا حرًا وعقلًا متمردًا ود.تيسير مازال رغم البُعد سياسيًا يقف للأخطاء بالمرصاد أما رائق فليس إلا نموذجًا للثائر الصامت ذي الهدير العالي بعمله، أما شديد فهو كاسمه بالحق شديد وللوحدة مريد وهكذا هم أصحابي الذين طاولوا النجوم ومنهم كانت هذه النماذج.
لعلي باللقاء الجامع القادم -إن حصل-أحظى بصورة! وكثير من الذكريات الجميلة! التي أصبحت هي المعين الأساس على قدر يحملنا نحو حقائق مضنية ومتعبة وقاهرة.