الضجيج والسكون!
إن الحياة متسارعة العجلة في ظل السعي اليومي الحثيث لتلبية الاحتياجات الدنيوية وفي ظل الانشغال بوظيفة وعمل، وفي ظل المتطلبات الروحية والقيَمِيّة المحفزة للعطاء والمرتبطة بمسارات الخطة ومنهج الحياة والرسالة.
وأيضًا أثناء ممارسة الجهود المقاوِمَة والثورية من أجل الوطن، أو في ظل ممارسة الصمود على الأرض يجد الانسان نفسه في حالة ضجيج لا تنتهي، وأفكار واردة وأخرى شاردة وتعارض وصراعات لا تنتهي إلا في ظل التمكن من تعلم ثم خوض هذ الصراعات الدنيوية وتلك الذهنية من جهة واللجوء الى التفكر والنظر والتأمل كما أمرنا المولى عزّ وجل
وأيضَا لممارسة التأمل الذاتي (خصص وقتاً يومياً للجلوس في صمت، بهدف تجاوز التفكير التحليلي والوصول إلى العقل الباطن. ويمكن للتأمل المكثف أن يُحدث تغييرات ملموسة في ترابط الدماغ وإشارات الجهاز المناعي خلال فترة قصيرة)، واليقظة الذهنية (بمعنى توجيه كامل انتباهك ووعيك إلى اللحظة الحالية وتفهم أفكارك ومشاعرك) من ممارسات قد تحقق الحفاظ على سلامة الذهن وديمومة التنبّه من جهة، وربما من جهة أخرى إعادة ضبط المسار.
إن الضجيج هذه الأيام لم يعد مقتصرًا على أعباء الحياة اليومية المادية، والعاطفية وتلك الروحية، وإنما دخل عليها السيل الذي لا ينقطع من موجات الأثير المحمولة على وسائل الاعلام التقليدية أو تلك عبر منصات التواصل الاجتماعي في الشابكة، ونَهَم الأخبار الهامة والتافهة غير الهامة (وهي الأوفر)
وعقلية “الفقاعة الذهنية” و”تعفن الدماغ” والتصفح و”التمرير” المتواصل للمرئيات (فديو) الذي لا ينتهي الا باستهلاك ساعات من الزمن بلا أي قيمة.
ما يجعل من الإرهاق والتعب الشديد، واستنزاف العقل حقيقة واقعة، تستدعي للعاقل وقف أو تنظيم هذه الوسائل والوسائط ووضع حدّ وحدود لها وأيضًا إلزام الذات بآليات الضبط، والتمكن والتفرّس كما التمحيص والقراءة العميقة والتفكر وغيرها من الآليات.
هنا نضيف لكل ما سبق وهو المرتبط ببناء الذات والتطوير الشخصي فكرة الهدوء أو السكون هكذا بلا أي فعل ذهني لفترات معينة تستعيد فيها نفسك.
إن هذه الوصفة قد تكون مدخلًا لتبييض صفحة الذهن، وصولًا لإعادة إنعاش النفس بما يساعدها على ضبط الذات والصحو والتفكر وربما إعادة النظر فيما بعد فترة الراحة هذه لحقيقة الموقف الحالي والقادم، والعودة لخوض النضالين معًا الذاتي الداخلي والخارجي.
يقول الإمام أبوحامد الغزالي رضي الله عنه في كتابه “ميزان العمل”: “ولا يمكنك معرفة ما تطلبه، إلا بأن تعرف أولاً نفسك وقواها وخواصها، فكيف يشتغل بمخالطة زيد من لا يعرف زيداً؟ والمجاهدة معالجة للنفس بتزكيتها، لتفضي إلى الفلاح، كما قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّاهَا)، ومن لم يعرف الثوب لا يتصور منه إزالة وسخه.”
قال العالم ابن حزم الأندلسي “طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم الناس منها.” وقال في الثبات الانفعالي بالمصطلحات الحديثة “العقل والراحة هو اطراح المبالاة بكلام الناس واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل
والى ما سبق يقوم البناء الذاتي في كتاب”إحياء علوم الدين” لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وهو درة في التربية والأخلاق الإسلامية على ركنين أساسيين:التخلية بمعنى تنظيف القلب من الصفات الذميمة (الكبر، الحقد، البخل). والتحلية بمعنى ملء القلب بالصفات الحميدة (التواضع، التسامح، الجود). ومما يرد في ذلك قوله رضي الله عنه أن “القلب كالإناء، إذا مُلئ بالمحبة لله والخير، لم يبقَ فيه مكان للشهوات والآفات”.
مع الكثير من التعلم والتفكر والتامل والقراءة والكثير من التجارب قد نستدل على وسيلة أو أكثر من الوسائل التي تقلل التوتر وتقلل الضغط، وأيضًا لها الأثر في تقليل الصخب والضجيج المحيط بنا وبنفسنا والذات، كما تجلب نعمة الانضباط ونعمة التركيز ومن ثم الراحة النفسية والرضا ما يمكّن من العمل على المستوى الشخصي والتنظيمي والوظيفي وحيث وجوب خوض الصراع بهدوء وقوة وشجاعة واتقان وشغف لأنه وكما قال سيد الخلق (إنّ الله تعالى يحبُّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه).


