أحدث مقالاتي

الكرم المنحرف والخنوع الجارف!

 

من الصعب وصف المشهد العربي الفلسطيني الحالي بتشابك حلقاته وتعقيداته وتداخل العوامل فيه بحيث إنك لا تستطيع أن تحسم فكرتك أو قرارك باتجاه معين محدد واضح دون غيره.

فالقضية الفلسطينية وأي تفصيل من تفاصيلها ما كانت قضية فلسطينية خالصة، صحيح، ولكنها اليوم أصبحت عالمية وبين الأيدي الخطأ بسبب حجم العوامل المتداخلة التي درجنا على تسميتها العوامل الذاتية وتلك الموضوعية. وباعتبار أننا نعيش في فم الوحش فإنه يحتضن كل هذه العوامل ويشكل عاملًا أساسيًّا بحيث تتحول العوامل إلى صيغة العامل الوطني الداخلي والعامل الإسرائيلي والعامل الخارجي حيث إن حسم العامل الإسرائيلي باعتباره عامل خارجي يفتقر إلى الدقة لشدة التداخل بين هذا العامل والعامل الفلسطيني ومن هنا يأتي تشابك الحلقات وتداخلها بحيث إنه في كثير من المواضع لا تستطيع أن تفكفك العامل الإسرائيلي عن ذاك الفلسطيني فكلاهما يؤدي إلى الآخر البعض.

إن تعقيدات المشهد الفلسطيني ليست أمرًا طارئًا على القضية الفلسطينية، إلا أن “القفزة الكبرى بالهواء” التي أفضت إلى محرقة ونكبة فلسطين في غزة ثم بدء مسلسل المذابح والإبادة الجماعية من 17/10/2023 وهو تاريخ “مذبحة المعمداني” يضيف لكل ما سبق في المائة عام الأخيرة بُعدًا لم يكن متخيلًا من حجم التشابك والتعقيد والتداخل في المسارات الثلاثة.

المشهد في فلسطين غريب جدًا؛ ففي مقابل تغول عصابات المستخربين (المستوطنين) وممارسة الإسرائيلي الإبادة الجماعية وجرائم الحرب اليومية تجد خلافًا فلسطينيًا مُشبعًا بالتناحر، وتجد عقلية الإنكار للمأساة أو الكارثة العظمى، وتجد محاولات شدّ وجذب لافتكاك ولو “عظمة” من وليمة السلطة في فلسطين، فلا يمر عليك يوم إلا وتجد تصريحًا خلّابًا يبهر عيون الأنصار والأعداء! ويزعج المخلصين أيَّما إزعاج. ففي مقابل فشل وطني مدوٍّ رافق “القفزة الكبرى بالهواء” ما زال مَن يطربك بسرد الانتصارات ويعدّ الضحايا دون أدنى خجل أو محاولة للنقد الذاتي على الأقل أو المراجعة التي لن أمَلّ الحديث عنها من قبل أصحاب “القفزة”، وهو ما لا يعفي كل الفصائل من النقد والمراجعة، بما فيها حركة فتح.

المشهد في فلسطين يقتضي حدًّا أدنى من الاعتراف، ثم الاعتذار للشعب والأمة، وما يقابله من مدّ اليد ثم الاتفاق على الحد الأدنى من الأمور على فرضية أن الشدة تؤدي إلى التوافق وليس إلى مزيد من التمزق!

المشهد الفلسطيني معقد بين فصيل يترجم الإنكار إلى سعي عجيب لاقتسام السلطة، وبين آخر أكل عليه الدهر وشرب يحاول أن يطل برأسه، وبين ثالث فقد البوصلة وأصبحت السلطة هي محور تفكيره مرتبطة بتنامي حالة التسلط والاستبداد. وكل ذلك والقضم والضم والتهجير ومسلسل الإبادة الجماعية لا يتوقف.

هذا المشهد السريالي في فلسطين يقابله تخلٍّ عربي مرعب، فعلى سبيل المثال لم يستطع العرب حتى الآن أن يتحلّلوا من نير القيد الأمريكي وينقذوا أنفسهم من هيمنة الوحش القادم، بإنقاذ المواطنين في فلسطين ولا حتى بالحدّ الأدنى من دعم نضالهم أو صمودهم أو رفضهم للتهجير. ولا بشربة ماء تبلل العروق في حين أن مجالات الدعم كبيرة ولا تعد ولا تحصى والتي لا تصل إلى حدّ إعلان الحرب على الإسرائيلي من مثل ما صرّح به الكاتب الأمريكي الإسرائيلي ألون بن مائير في مقاله الصادر في آخر شهر أيلول 2026 المعنون: (وهم “إسرائيل الكبرى” قد يقضي على “إسرائيل”) حيث طالب نصًّا بما يلي ولك أن تفهم النداء لمن تشاء!

 

“1- المطالبة بوقف فوري لتوسيع المستوطنات وإرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وربط أي مساعدات عسكرية بوقف فوري لعمليات ضم الأراضي الفلسطينية.

2- وقف نقل أي أسلحة تُستخدم لتكريس الاحتلال، وحظر استيراد أي منتجات تُصنع في المستوطنات، على غرار ما أعلنت عنه مؤخرًا كل من كندا والمملكة المتحدة وفرنسا.

3- دعم آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية وتطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

4- وعلى الرغم من أن العديد من القوى الغربية قد اعترفت بدولة فلسطين، إلا أن هذا الاعتراف يظل بلا قيمة ما لم تقم تلك القوى بتوسيع نطاق الدعم المالي والسياسي والقانوني للمجتمع المدني الفلسطيني والمدافعين عن حقوق الإنسان والحركات السلمية التي تقاوم عمليات التجريد من الممتلكات والحقوق.

5- تنسيق الضغط الدبلوماسي من خلال تحركات مشتركة واستدعاء السفراء، وخفض مستوى الزيارات رفيعة المستوى.

6- يتعين على الدول العربية التي تقيم علاقات سلام مع “إسرائيل” خفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي فيها والتهديد بسحب سفرائها إذا ما واصلت “إسرائيل” سياساتها التوسعية.” ويضيف بن مائير “تُعد هذه التدابير الحد الأدنى المتسق مع المبادئ التي يزعم حلفاء “إسرائيل” التمسك بها في أماكن أخرى. إن الخيار واضح وحاسم: فإما التحرك الآن لوقف مشروع “إسرائيل الكبرى”، أو التواطؤ في نظام دائم للهيمنة، مما سيؤدي إلى تقويض خطير لمصالحهم الجيواستراتيجية ومصداقيتهم الأخلاقية لعقود قادمة.”

ورغم أن هذا الرجل بالطبع يسعى للمصلحة الإسرائيلية من وجهة نظره الذرائعية، مقارنة بالأحزاب اليمينية الإقصائية، إلا أن النداء أو توصياته هذه لن تجد على الأرجح من الفضاء العربي على الأقل إلا الإهمال، وكأنه لا حياة لمن تنادي؟!

في الاتجاه الآخر تجد الشعوب الأوروبية (وليست العربية) في انتفاضة عارمة مع الحق الفلسطيني! ونحن كأمة عربية وإسلامية، ونحن كفلسطينيين عامة فرِحون بفرقتنا، كما نحن فرِحون بفتات سلطة أو شراذم فصيل يتنقل بلا خجل بين الفضائيات داعمًا ذاك القائد المُعتِم أو غيره من القادة الذين انصهرت شخوصهم في فصائلهم وذابت القضية في مشروبهم المفضل!

هل ستجري الانتخابات أم لن تجري؟ هذا سؤال القلّة المتابعة للشأن السياسي في فلسطين، كما السؤال عن الحوار! بينما الكثرة تبحث في غزة عن دور للتبول قد يمتد صباحًا لساعات كما الحال مع طابور التكية ودور الماء وسمّ ما شئت من طوابير. وفي الضفة الغربية حيث تقوم الطرق الوحشية بتقسيم ما بقي من تواصل وتقوم المستخربات (المستوطنات) وعصابات المستخربين المدججة بالسلاح وبالدعم الكامل من الجيش الرسمي بممارسة كل أشكال القتل أو السرقة أو التعدي على الناس، ولا من حصيف أو حكيم في أمة محمد أو أمة العرب يستشعر الخطر عليه هو (أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض) فيتخذ موقفًا بقطع العلاقات على سبيل المثال مع الاحتلال، أو بقطع التفاعل الاقتصادي أو الثقافي! أو بإعلان نتنياهو مجرم حرب؟! لا وكلا! وكيف يكون ذلك ومنطق “الكرم” العربي يأبى!

إن الكثرة في الضفة تعمل جاهدة على حماية بيوتها حيث أصبح مجرد النظر بوجه رجل العصابات أو الجيش مدعاة للقتل بلا أي جهد صهيوني للتبرير! فالفاعل محصن والمفعول به إرهابي مهما فعل وليس له إلا الاستجابة لمجرم الحرب والإرهابي “سموتريش” وأضرابه، بآرائه العنصرية، إما الهجرة أو الخنوع أو القتل؛ فما بالك بشعب أعزل لم يعد للوسائل القديمة سواء بالثورة أو الانتفاضة مجال في ظل الغلو العنصري والإبادي الصهيوني مما يجب أن يستدعي فكرًا جديدًا وتحركًا خارج الصندوق -كما يقولون- يأخذ بالإجماع الفلسطيني وبجِماع الأمة إلى منطقة جديدة لم تُختبر بعد!

العالم معنا، وكل دول العالم مع دولة فلسطين ولم يتبقَّ إلا تحقيق استقلالها! ونحن كفلسطينيين وكأمة متوقفون عند حدود الورق أو المؤتمرات، ولم نتعلم من “ألون بن مائير” وأمثاله من الطرف الآخر فيما أطلقوه من مبادرات تعاقب المعتدي الإسرائيلي لأن منطق الخنوع قد ساد ومنطق الكرامة العربية والكرم قد انحرف.

 

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى