مقالاتي في الصحف

الحربُ المتدحرجة والصحوة المطلوبة!  

 

في النظر لما يحدث من حولنا بهذا العالم ومنطقتنا تتجلّى حقيقة أن الدائر هو حرب عالمية واقعة بالتدرج، منذ العدوان على فلسطين من بوابة قطاع غزة في 17/10/2023م عبر البدء بمذبحة المستشفى المعمداني وما تلاها من تدمير للقطاع بما ومَن فيه، حيث تم ارتكاب أفظع عملية إفناء عرقي وإبادة في التاريخ الحديث بعد الحرب “العالمية” الثانية.

ومازالت هذه الحرب العالمية المتدحرجة قائمة، وإن لم يراها عدد من المحللين كذلك، إلا أنه في رؤية الآخرين فأن الحاصل من دمار مركز إشعاله معروف أي العدوان الإسرائيلي الأمريكي، وميدانه محدد أي داخل المنطقة أو الدائرة الحضارية العربية الإسلامية، أو ما يطلق عليها الغرب مسمى “الشرق الأوسط” التي تخضع لعملية متواصلة من التجريف السياسي والجغرافي والاستراتيجي بما يؤسس لعلاقة الهيمنة الواسعة مقابل التبعية المطلوبة من الأمة للسيد المتوج أمريكيًا على المنطقة، أي المعتدي الإسرائيلي.

رسائل الإسرائيلي والإيراني

إن الحرب الحالية الدائرة هي في أهم تجلياتها على النفوذ الإقليمي والعالمي، وهي بالنسبة للإسرائيلي لحظة تاريخية افتض بكارتها منذ الاعتداء على “المعمداني” فيما وجدَهُ فرصة تاريخية استدراجية ليحقق حلمَه الأسطوري بالتمدد على مساحة المنطقة وفقًا للخرافات التي تعشعش في رأسه، ورأس ترمب المنتمي للصهيونية المسيحية التدبيرية من جهة، ووفقًا لتحقيق المصالح الاستراتيجية.

لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بمحو غزة التي نعرفها عن الوجود وما مارسه ومازال يمارسه من قتل يومي فظيع ما لم يحدث الا للمرة الثانية منذ 100 عام، بل وتمادى بالعدوان الفصيح ليطال الضفة الفلسطينية، ولبنان وسوريا والعراق. وحاليًا إيران ليس فقط بهدف تدمير البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام كما تم الترويج، وإنما برسائل جبروت واستعلاء قاتلة لكل المنطقة: أنني أنا المتحكم وأنا المبادر وأنا السيد! وبغيري فأنتم دومًا تحت طائلة التهديد! وفي ذلك ألغام كثيرة ستتفجر في وجه الدول العربية وخاصة الخليجية التي إن لم تتنبّه لحجم الخطر الصهيوني التوسعي فإنها ستعيش أسوأ كوابيسها.

الى جانب رسائل الإسرائيلي المعتدي يتوه الإيراني ويتخبط بين شعاراته وحقيقة أفعاله التي تناقض أنه ضد “الشيطان الأكبر” أي أمريكا فقط، حين يتقصّد ضرب الجوار العربي بثقة المطمئن أنه هو أيضًا المهيمن أو الساعي لذلك، وكأن اقتسام الأدوار في المنطقة يجب أن يظل بين الإسرائيلي المعتدي والإيراني الذي تصلّب بتصدير أفكاره وأيديولوجيته الخاصة بتهديد الجوار حينما أوضح أنه يحكم 4 دول عربية، وزادتيؤشر اليوم بالاعتداءات التي لم يستطع الرئيس الإيراني أن يُكمل الاعتذار عنها الا وأصابته صاعقة التطرف واجتاحته قرارات الصف الثالث بالقيادة الإيرانية.

إن ترتيب المنطقة من قبل المعتدي الأمريكي والإسرائيلي يمهّد الطريق لقتل أي بادرة تضامن عربي أوعربي إسلامي وهو الذي يجب أن يقابل بتعاضد ووعي ووحدة رأي، ورؤية من المجمل في الدائرة الحضارية الجامعة التي يقرر فيها الإسرائيلي أنه ليس منها، ولن يكون الا الحاكم المستبد الأوحد فيها.

 

إن الرسائل التي يرسلها العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ظاهرًا، وعلى مجمل الأمة باطنًا، بل وعلى الصين وروسيا ومجمل العالم تجعل من الحدث المأساوي أو الحرب المتواصلة فرصة لإعادة النظر في التحالفات سواء العربية أو الاقليمية وكذلك العالمية.

فمن كان يا ترى يظن أن أوربا تقف موقفًا متشددًا من العدوان الإسرائيلي الأمريكي سواء على قطاع غزة ولبنان وسوريا ثم على إيران؟ ومن كان يتوقع هذا التخبط والعشوائية والسفاهة والنذالة والنزق الأمريكي الذي فاجأ حلفاء أمريكا قبل خصومها أو أعدائها فيما فُهِم بكثير من الأوساط انصياعاً او استتباعًا لخدمة الأهداف الإسرائيلية وليس الأمريكية التي خرج ضدها الشارع الامريكي الحيّ مئات المرات ضد الحرب أو العدوان على غزة وفلسطين، وحاليًا ضد الملك الأمريكي المتوج أي الرئيس ترمب (تحت شعار لا للملوك) بما لا يقل عن ملايين تسعة ضمن حركة 50501 الأمريكية وغيرها من الحركات الشعبية اللامركزية.

“الملك” ووحشية السياسة

إن الواقع الأمريكي الداخلي الحاسم في كل حروب أمريكا الخارجية من فيتنام الى أفغانستان ثم العراق والى الآن سيكشف حقيقة المزاجية العبثية والتدهور أو الوحشية والانحدار السياساتي الأمريكي والذي فاجأ الحلفاء، والعالم كما فاجأ أصحاب الرأي والفكر والاستراتيجية في أمريكا، وبالطبع الشارع الذي ثار ضد كل هذا  النزق في إعلان الحرب والتبجح بعكسها! وكأن السياسة الأمريكية قد التزمت بشعار (كلام الليل يمحوه النهار) وهي ليست سياسة بل تخبط وعبثية ملّ منها حتى السياسيون الأمريكان. وما المُعجَب الوحيد بهذه السياسة النزِقَة الا الملك الإسرائيلي أي “نتنياهو”، وهو الملك المتوّج من فوهة الدبابات ومع كل صاروخ ينطلق لقتل فلسطيني أو لبناني أو سوري أو عربي أو مسلم أو مسيحي، أو حتى بوذي.

يشير د.مروان إميل الطوباسي الى السلوك العقائدي غير العقلاني الأمريكي قائلًا أنه “يكشف في جوهره عن مفارقة مهمة ، فالإفراط في استخدام القوة الغاشمة كما يحدث اليوم وفي هذه المرحلة تحديداً من وضوح قوة ردع القوى الاخرى وإدراك جوانب قوتها غير المتوقعة ، لا يعكس بالضرورة ذروة الهيمنة، بل قد يكون تعبيراً عن قلق متزايد من تآكلها وتراجعها . فحين تضطر القوة العظمى إلى اللجوء المتكرر للأدوات العسكرية والتخبط بالمواقف التي يعلن عنها ترامب بل وبالكذب ايضا ، رغم كلفتها العالية وعدم ضمان نتائجها ، فإن ذلك يشير إلى تراجع فعالية أدواتها التقليدية الأخرى”.

يقول د.عبدالمجيد سويلم عن هذه الحرب المجنونة “من قبل الثنائي الشرّير والمتغطرس” ضد إيران والمنطقة: أن “هذه الحرب حوّلتها حكومة “اليمين” العنصري المتطرّف إلى حرب “وجودية” فاصلة ومصيرية، وكذلك فعلت إدارة ترمب عندما انخرطت فيها بكل ما أُوتيت من قوة وتوحُّش، ومن استهتار وخُبث وخداع، وتجاوزت من خلالها كل الحدود والقيود، دون أن تكون هذه الحرب ضرورية أو مصيرية، وكان بالإمكان تفاديها”.

إن تأثيرات الحرب المتوحشة على منطقتنا أضرّت بالعالم. وما يحصل بخطة وفعل فاعل إسرائيلي أمريكي خابت توقعاته واستراتيجيته، وانخرط في معادلة إفناء للآخر بدءًا من  البطل الفلسطيني الصامد على أرضه انتقالًا لإفناء الروح الجمعية المتماسكة التي تجمع شتات أمة كاد العقل الاستهلاكي الافتتاني الاستخرابي (الاستعماري) أن يعميها عن مساحة قوتها في وحدتها الاقتصادية والفكرية الثقافية والحضارية المختلفة عن الغرب والمتميزة، والتقانية (التكنولوجية) والزراعية الصناعية ولربما حين استقرار الرؤية وحِدّة التبصر وانطلاق الإرادة يكتشف قادة الأمة الغافلين أن ليس لهم الا ذاتهم المتكاملة للتصدي لهذا الغول المرعب الذي يسعي بهم نحو الخراب الشامل الكامل.

الصين وعين اليقظة

على المنحى العالمي تقف الصين القوة التي استقر مقعدها في سقف العالم متيقظة تنظر بعين بصيرة فيما يحصل فلا يهدأ لها بال لأنها ترى التنافس قد ارتبط بالحديد والنار، وهو ما لا تريده. كما أنها لا تريد الانخراط  به لأنه أصبح منفلتًا لا تعرف ضوابطه في ظل سياسات أمريكية قد تجرّ العالم لما هو أسوا مما هو حاصل: شرارة تتلوها شرارة باتت تحرق المنطقة وقد تصل العالم ككل.

تظهر الصين المواجهة للأمريكي اليوم بكامل اللياقة السياسية من حيث أنها قوة محافظة أولويتها الاستقرار وليس الهيمنة الفورية في مقابل الثور الأمريكي الهائج -مع الإسرائيلي المائج- الذي يهدد النظام العالمي برمته.

وفي سياق تصدر الصين للمشهد أو نظام قادم متعدد الأقطاب كما نقول ويقول معظم المحللين يتجرأ الكاتب مروان إميل الطوباسي لاستنتاج أن ما يحصل يمثل ” لحظة “إدارة تراجع الهيمنة” امام استكشاف القوى الأخرى مكامن قوتها ، في محاولة لعدم السقوط الكامل ، لا نهاية القوة ، لكنها بالتأكيد نهاية زمن الهيمنة بلا منازع للولايات المتحدة و”اسرائيل” كحليف إستراتيجي لها”.

الخليج العربي وحرب ترمب-نتنياهو

لقد تحولت حرب ترمب وشريكه الآثم نتنياهو ضد فلسطين أولًا ثم ضد إيران الى لعنة على دول الخليج العربي التي طالبت بعدم شن الحرب ونأت بنفسها عن هكذا حرب لا ناقة لها بها ولا بعير، إلا أن التخطيط المتسرع وسوء التقدير الاستراتيجي والانصياع لأوامر الإسرائيلي بحقيقة القائم قد أودى بالامريكي نحو فقدان ثقة دول الخليج به كما دول العالم.

كما ظهر الرئيس الامريكي الذي يحتفظ بقواعد عسكرية بالمنطقة غير قادر على حماية قواعده فما بالك بحماية الدول التي استقرت قواعده على أرضها؟ ما حوّل القواعد من حامي أو رادع الى عبء، وجعل كل الدول في حالة تشكك من جدوى هذه القواعد أصلًا وفي جدوى أو مصداقية القوة الامريكية.

يقول الكاتب الإسرائيلي الامريكي ألون بن مائير” إن  قرار ترامب بشن ضربات أمريكية – إسرائيلية مشتركة على إيران أسفر عن تكاليف إستراتيجية أعلى بكثير مما توقعته إدارته، بدءًا من صدمة الطاقة وتعطيل الملاحة البحرية وصولًا إلى تفاقم التشرذم الإقليمي وتنامي المشاعر المعادية لأمريكا.”

يقول بن مائير أيضًا: “إن مغامرة ترامب مع إيران ليست خطأً معزولاً، بل هي أحدث، وربما أخطر، تعبير عن هجومه على نظام عالمي هشّ أصلاً. ومن خلال التخلي عن ضبط النفس وتهميش الحلفاء وتسخير القوة الأمريكية لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، فقد سرّع من تآكل مصداقية الولايات المتحدة، وفكّك التحالفات الغربية، وفتح مجالاً استراتيجياً جديداً لروسيا والصين. دول الخليج هي ببساطة أحدث ضحايا هذا الإضطراب: مدنها تعرضت للهجوم واقتصاداتها اهتزت وافتقرت إلى أسس أمنية راسخة.”

ويقول د.عبدالرحيم جاموس “تجلت المعضلة-لدى دول الخليج- في اهتزاز الشعور بالأمن، وارتفاع منسوب القلق من استهداف البنية التحتية الحيوية، فضلًا عن الاضطرابات الاقتصادية التي شملت أسواق الطاقة، وتكاليف التأمين، وحركة الاستثمار. والأهم من ذلك، أنه أعاد فتح ملف طال تأجيله: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في الاعتماد على مظلة أمنية خارجية، في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب وتراجع الهيمنة الأحادية؟”

إن الحرب الدائرة حاليًا قد حققت أسوا كوابيس قادة المنطقة حيث تدمير صورة الواحة الآمنة بالخليج الجالبة للاستثمار والسياحة والاستجمام، وتدمير الأمن بالبلاد والاقتصاد والمنشآت الحيوية ما يعني أن دول الخليج قد تحملت مخاطر المغامرة الإسرائيلية الامريكية ودفعت أثمانًا باهظة وكما يشير بذلك أيضًا بن مائير.

إن النظرة المستقبلية لدو ل المنطقة لن تكون كما قبل 28/2/2026م سواء بالنسبة للعلاقة مع الأمريكي أو قواعده أو طريقة التعاون معه كما الحال بالعلاقات مع إيران الجار التاريخي الذي لن يتزعزع من موقعه حيث سيغلب طابع التحوط الذي يجمع بين المفاوضات وتحقيق الردع الذاتي أو الجماعي من مجمل دو ل المنطقة، كما قد تبرز الأيدي الممدودة لتحقيق الدرع الخليجي المشترك بالتعاون مع الدول العربية وعلى رأسها مصر، ما سيضعف قطعًا من الاعتماد الكلي على واشنطن وسيطيح باتفاقات ترمب-إبراهام البائسة.

والى ما سبق يضيف د.عبدالرحيم جاموس مستشعرًا مكمن الخطر والحل الحقيقي والأساس حيث يقول أنه” كلما تراجعت فلسطين في حسابات الفعل العربي، ازداد الخلل في تعريف الأولويات، وتعمّق الانفصال بين الأمن القومي ومضمونه الحقيقي.”

الدائرة الحضارية بالمواجهة

إن رسائل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على فلسطين من بوابة غزة منذ عام 2023 حتى اليوم أصبحت واضحة صارخة سواء للدائرة الحضارية العربية، أو العربية الإسلامية-المسيحية المشرقية، وكذلك الأمر للعالم ككل، ما قد يؤشر لصحوة آن أوانها، و يمكننا تكثيفها بالتالي:

1-تقول لتعلموا إن الإسرائيلي هو السيد والحاكم المطلق على المنطقة شاء من شاء وأبى من أبى! وهو في تحالف غليظ مع الأمريكي الذي يتحين فرص الانسحاب بعد تثبيت الحليف بإرادة المنطقة وعبر اتفاقات ترمب-ابراهام الخادعة.

2-إن الإسرائيلي لا يعيش في سلام إلا في ظل توجيه المجتمع الإسرائيلي للحروب الخارجية تحت مظلة أنها حرب الوجود (العيش تحت حد السيف)، والحق في البقاء والدفاع عن النفس، حتى لو ارتكب أفظع درجات القتل والتدمير والإبادة الجماعية، لا سيما في ظل ترّهات الخرافات التوراتية بنظر اليمين الإسرائيلي مع المسيحية-الصهيونية التدبيرية .

3-إن فكرة حدود الإسرائيلي “من الفرات الى النيل الأسطورية” سيتم تطبيقها ليس بالضرورة بالاحتلال الجغرافي، وإنما بالتخويف والإرهاب والإجبار على توقيع اتفاقيات إذعان مطلق تحقق الهدف دون الزحف المباشر أو على الأقل هذا ما يطمح له نتنياهو ويمينه ولا يعارضه ترمب ويمينه المتهم ب”الكليبتوقراطية” أي حكم اللصوص لمصلحة شركاته وشركائه والمطامع.

4-في ظل العدوان المتواصل منذ العام 2023 وحتى اليوم بعد خراب غزة، والتدمير الممنهج بالضفة وفي لبنان وسوريا، وصولًا الى إيران، والتسبب الإسرا-أمريكي المقصود بضرب منطقة الخليج العربي عبر الضربة على إيران، فإن الأمر كأننا نسير الى حافة الهاوية، ليس بالحرب ضد إيران وإنما في مسار التنافس العالمي  حيث تموضع القوى المختلفة التي تظهر فيها الصين في جهة وروسيا في جهة، والأوربيون في جهة أخرى، ولربما يكون هناك حظ  للتوجه العربي الإسلامي أن يبرز أن تكاتفت كل من (السعودية ومصر وباكستان وتركيا)، ما يحمّل هذه الأطراف أو التوجه المشترك مسؤولية الخروج من حافة الهاوية، وحُسن إدارة المتناقضات والمخاطر -وعلى رأسها الصهيوني الغادر-في المنطقة حيث الوضوح: أن الأمريكي رغم الهيلمان الفارغ في انحدار، والصيني في صعود أو أنه قد استكمل حالة الصعود وحجز مقعده.

5-إن الحروب الحالية (هي حرب عالمية ممتدة منذ العام 2023، والبعض يرجعها لبدء الحرب الروسية الأوكرانية) كانت نتيجة قرارات إما مخطط لها لاستجلاب الفوضى المقصودة والدمار، حيث ينتعش المعتدي والنّزِق والظالم والمحتل. أو أنها متسرعة أو غير محسوبة لقادة مغامرين ما يشكل اختبارًا للنظام الدولي الذي أثبت حتى  الآن عجزه عن المتابعة.

6-الصين قد تنتصر بقدرتها على تجنب المواجهة المباشرة التي تجنبتها حتى الآن، كما الحال بدول الخليج العربي التي نأت بنفسها عن الدخول في المحور الإسرائيلي الأمريكي رغم قساوة العدوان الإيراني وشراسته على أراضيها، وكل ذلك قد يتغير إن شعر ت الصين بالحصار الشديد أو الضيق ما قد ينطبق على دول الخليج العربي أيضًا.

7-إن أمريكا التي ادعى رئيسها أنه أوقف 7 حروب! ظهرت أنها عامل الاضطراب وليس الاستقرار بالمنطقة، وأنها لا تستطيع حماية نفسها! فكيف تحمى عبر قواعدها من ادعت حمايتها لهم! ما جعل عديد الأصوات العربية الواعية تنطلق في أرجاء الدائرة الحضارية وفي دول الخليج العربي مطالبة بالتحلل من الارتباطات الأحادية مع قوى عظمى واحدة، ورافضة الانسياق في المخططات الإسرا-أمريكية لجر المنطقة نحو الدمار بسياسة “الإشعال” الذي يؤدي للفعل ورد الفعل.

8-لقد اهتز النظام الدولي الذي يعتمد على الطاقة والتجارة والثقة بين الحلفاء. فيما يقرّره أو يفعله على عكس ما يقوله الرئيس الامريكي، وفيما يفعله  المحتل الإسرائيلي من جرّ المنطقة للخراب ما يشير أن المنطقة ليست في حرب باردة بقدر ما إنها فعليًا في مرحلة حرب عالمية أو بحدها الأدنى مرحلة انتقال خطيرة وغير مستقرة نحو ذلك.

9-يُستخدم في الصراع القائم منذ 3 سنوات جميع الأسلحة المباحة والمحرمة من عسكرية واقتصادية ودعاية مضللة وتجييش وتحشيد وتزييف للوعي والعقل، وفكرانيات (أيديولوجية) تمهيدًا لرسم شكل النظام العالمي الجديد، كلّ وفق مصلحته، وأين مصلحتنا نحن من ذلك؟

10-إن دول الخليج العربي الفاعلة والمتفاعلة مع ما يحدث لن تكون في علاقتها مع أمريكا كما كانت قبل العدوان، ومن الواضح أن المركزية الأمريكية في المنطقة قد اهتزت وضعفت ما سيجعل من دول الخليج تعدد مصادر الدعم أو التحوط سواء العسكري أو الاقتصادي أو المجتمعي، وتزداد التصاقًا بمنطقتها العربية، وتجد حلًا مع الجار التاريخي خارج نطاق التدخلات المغامرة.

11-في فلسطين العربية وهي أصل الداء والدواء في المنطقة الحضارية الجامعة حيث الوحش الإسرائيلي يفترس ما تطاله يداه الحديدية وعيونه الرقمية. فإن استمرار الوضع الحالي من عدوانات لا تنتهي من المحتل الإسرائيلي وضغط سياسي واقتصادي ودعائي وانساني بدون حل سياسي شامل، أوبسعي حثيث منه نحو حرب اقليمية واسعة تغير المعادلات. فإن النتيجة هي بقاء الصراع والعمل فقط على إدارته بإبقائه تحت السيطرة الإسرائيلية، إلا إن قال العرب كلمتهم وبالتحالف الوثيق مع الدول الغربية والعالم الذي اعترف كله تقريبا بالدولة الفلسطينية.

12-في قضيتنا الأولى قضية فلسطين فإن القضية إضافة لعمقها الديني والعروبي والتاريخي، والحقوقي العادل فإنها هي بالحقيقة وليس الأمل أو التوقع مفتاح الحل، وهي مفتاح الاستقرار الاقليمي لكافة دول المنطقة بل وللعالم كله. وهنا تكمن الفرصة، بضرورة وجود الرؤية والبرنامج الفلسطيني الموحد القابل للتنفيذ، وشعارنا أننا بالتأكيد أساس الحل أو الجزء الأكبر الذي لا غنى عنه من أي حلّ، ولسنا فقط الضحية أو المشكلة كما يحاول البعض تصويرنا فيتحلل من الارتباطات.

13-إن قوة العربي الفلسطيني الحرّ ليس في عدالة قضيته وحقه فقط، وليست في قدرته على   الصمود والثبات والمواجهة الميدانية، وليست في العوامل الدينية أو الفكرانية (الأيديولوجية) فقط. وإنما أيضًا في القدرة على بناء الدرع العربي الحامي وتحقيق التوازنات وتقديم النفس كعامل استقرار في عالم يموج بالفوضى ويخاف من الانحدار للانفجار لأن من يضبط الإيقاع السياسي يحدّد شكل المكسب السياسي.

لاعب أساس وصاحب مبادرات

إن الاستنتاج العام من الصورة القاتمة أو المرتبكة للوضع المتدحرج الحالي أنها حرب عالمية استدراجية قائمة ووحشية وشرسة، وهي ترسم أو على وشك رسم النظام العالمي الجديد ، أولعلها متأرجحة ما بين الحافتين، ما يؤشر على ضرورة الصحوة العربية، انتصارًا للذات الحضارية المتميزة وبمركزها فلسطين.

وفي النقطة الثانية فأن التحالف المتين الأمريكي الإسرائيلي (الحصري) قد فشل في إظهار نفسه الحامي والمدافع عن المنطقة، كما كان يروّج نتنياهو ضد “محورالشر” إذ ظهر أنه هو من “تأبط شرًا”، وما سيؤجج الصراع من فلسطين امتدادًا لكل المنطقة أو العالم. وهو صراع طويل، والتوتر لن يتوقف ما بين حروب وسجالات ومحاولات هيمنة مطلقة واستتباع، ستقود عاجلًا أو آجلًا الى وعي عربي أو إقليمي وربما في ظل حالة صراع أو توتر طويلة مزمنة قابلة للانفجار الشامل في أية لحظة.

ولنقل بوضوح وببساطة أن تجاهل فلسطين يعني استمرار حالة عدم الاستقرار الدائمة بالمنطقة والعالم، وأن التعامل مع القضية الفلسطينية ليس لعبًا على التوازنات أو ارتهانًا لمحور، وإنما خيار مبدئي أخلاقي ينحاز للقرارات الدولية الحقوقية والسياسية أي للحق والعدالة ، وهذا قد لا يكفي بالسياسة اليوم، لنقول أن الفلسطيني يجب أن يمتلك خيار أصيل عليه تكريسه بالخطة والاستراتيجية الموحدة، والدرع الحامي وبالمرونة السياسية، وعبر بناء حلقات العلاقات المتعددة. ومن هنا يجب أن تظل فلسطين لاعبًا رئيسًا وصاحب مبادرات في كل مفصل فلا نبقى خارج الحلبة أبدًا، الى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحرب المتدحرجة والصحوة المطلوبة (مختصر)

بكر أبوبكر

عند النظر إلى ما يحدث من حولنا في العالم ومنطقتنا، تتجلّى حقيقة أن ما يدور هو حرب عالمية تتشكل تدريجيًا، بدأت ملامحها مع العدوان على فلسطين من بوابة قطاع غزة في 17/10/2023، عبر مذبحة المستشفى المعمداني، وما تلاها من تدمير شامل للقطاع بما ومن فيه، في واحدة من أبشع جرائم الإبادة في التاريخ الحديث منذ الحرب العالمية الثانية.

وما زالت هذه الحرب المتدحرجة قائمة، وإن لم يقرّ بها بعض المحللين، إلا أن واقع الدمار ومركز إشعاله واضحان: عدوان إسرائيلي–أمريكي، وميدانه محدد ضمن المنطقة العربية الإسلامية، أو ما يُسمّى بـ”الشرق الأوسط”، حيث تتعرض لعملية مستمرة من التجريف السياسي والجغرافي والاستراتيجي، بما يرسّخ الهيمنة ويُعمّق التبعية.

رسائل الإسرائيلي والإيراني

الحرب الدائرة اليوم هي، في جوهرها، صراع على النفوذ الإقليمي والعالمي. وهي بالنسبة ل”إسرائيل” لحظة تاريخية استغلتها أو استجلبتها منذ الاعتداء على المستشفى المعمداني، باعتبارها فرصة لتحقيق حلم التمدد وفق تصورات أيديولوجية ومصالح استراتيجية.

لم يكتفِ الاحتلال بمحو غزة، بل وسّع عدوانه ليطال الضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق، وصولًا إلى إيران، ليس فقط بهدف البرنامج النووي، بل لإرسال رسالة هيمنة صريحة: “أنا المتحكم والمبادر والسيد”.

وفي المقابل، يتناقض السلوك الإيراني بين الشعارات والممارسة، إذ يرفع شعار مواجهة “الشيطان الأكبر”، بينما ينخرط في سياسات توسعية تضرب الجوار العربي، بما يعكس صراعًا على النفوذ وتقاسمًا غير معلن للأدوار في المنطقة.

“الملك” ووحشية السياسة

يكشف الواقع الأمريكي الداخلي، كما في تجارب فيتنام وأفغانستان والعراق، أن الحروب الخارجية ترتبط بحالة داخلية مضطربة. واليوم، تتجلى هذه الاضطرابات في التخبط السياسي، والتناقض بين الخطاب والممارسة، ما يعكس تراجعًا في فعالية أدوات الهيمنة الأمريكية. وقد باتت السياسة الأمريكية أقرب إلى العبثية، حيث تتبدل المواقف بسرعة، ويغلب عليها النزق، وهو ما أثار استياء حتى داخل المجتمع الأمريكي نفسه.

الصين وعين اليقظة

على المستوى الدولي، تقف الصين في موقع المتابع الحذر، ساعية إلى الاستقرار بدل الانخراط في الصراع المباشر. فهي تدرك أن التصعيد العسكري قد يقود إلى فوضى عالمية لا يمكن التحكم بها.

وتظهر الصين كقوة صاعدة تعتمد على التوازن والاستقرار، في مقابل نهج أمريكي متوتر يهدد النظام الدولي، ما يشير إلى انتقال تدريجي نحو نظام متعدد الأقطاب.

الخليج العربي وحرب ترمب–نتنياهو

 

تحولت سياسات المواجهة التي قادها التحالف الأمريكي–الإسرائيلي إلى مصدر قلق لدول الخليج العربي، التي سعت إلى تجنب الانخراط في الصراع، لكنها تأثرت بنتائجه المباشرة، سواء أمنيًا أو اقتصاديًا.

وقد أدى ذلك إلى اهتزاز الثقة في الدور الأمريكي كضامن أمني، وطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الاعتماد على مظلة خارجية، في ظل عالم يتغير بسرعة.

الدائرة الحضارية في المواجهة

أفرزت هذه الحرب مجموعة من الرسائل الواضحة، من أبرزها:

  1. السعي الإسرائيلي لفرض الهيمنة الكاملة على المنطقة.
  2. توظيف خطاب “الحرب الوجودية” لتبرير التوسع والعدوان.
  3. تحقيق السيطرة عبر الإخضاع السياسي وليس فقط الاحتلال المباشر.
  4. اقتراب العالم من مرحلة صراع واسع نتيجة التنافس الدولي.
  5. استخدام أدوات متعددة في الصراع: عسكرية، اقتصادية، إعلامية، وأيديولوجية.
  6. تراجع الهيمنة الأمريكية مقابل صعود قوى دولية أخرى.
  7. تصاعد الدعوات العربية لتنويع التحالفات.
  8. اهتزاز النظام الدولي القائم على الثقة والتوازن.
  9. تصاعد دور الوعي الجمعي في مواجهة التحديات.
  10. تحولات استراتيجية في مواقف دول الخليج.
  11. استمرار الصراع في فلسطين في ظل غياب حل سياسي شامل.
  12. مركزية القضية الفلسطينية كمفتاح للاستقرار الإقليمي.
  13. أهمية بناء توازنات إقليمية تعزز الاستقرار.

لاعب أساس وصاحب مبادرات

تشير الصورة العامة إلى أننا أمام حرب عالمية متدرجة، تعيد تشكيل النظام الدولي. وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ملحّة لصحوة عربية يكون مركزها فلسطين.

لقد فشل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي في تقديم نفسه كضامن للاستقرار، بل أصبح عاملًا في تأجيج الصراع. وهو ما يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية عميقة، قد تقود إلى نظام إقليمي ودولي جديد.

إن تجاهل القضية الفلسطينية يعني استمرار عدم الاستقرار، بينما يمثل التعامل معها بشكل عادل مدخلًا حقيقيًا للحل. ومن هنا، فإن المطلوب فلسطينيًا هو:

بناء استراتيجية موحدة

تعزيز العلاقات العربية، والإقليمية والدولية

تقديم الذات كعامل استقرار، لأن من يملك القدرة على ضبط الإيقاع السياسي، يحدد شكل النتائج.

إذن نحن أمام مرحلة مفصلية، تتطلب وعيًا استراتيجيًا عربيًا وفلسطينيًا، يعيد تعريف الدور، ويحول التحديات إلى فرص، ويشعل المبادرات، ويؤسس لموقع فاعل لفلسطين والأمة في النظام العالمي القادم.

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى