حائك الأرواح النقية!
الى صديقي الذي أنطلق نحو البعيد
وغاب عن شروق الشمس
وحرمته العواصف احتضان الوتر
فاختفى بلا أثر!
المثقف الرقيق
والكاتب والمفكر العزيز
وهو نفسه السياسي المنهمك بشؤون وطنه
إنه الحائك لثوب العطاء
وشمم الأعناق البصيرة
الذي لا يرتبك ولا يضلّ
إنه الحائك السامق حين يضيء الدروب
كان الله وجهته والغاية، وفلسطين هدفه
وعبر القناة المناسبة التي لطالما تحدث عنها بمعنى الأداة، لا الهدف.
فالغاية والهدف معروفان.
إنه المثقف النبيل الذي يتجنبه المثقفون لأنه يرفع على كتفيه عباءة السياسي
ويخشاه السياسيون أجمعين…
إنه الحائك العربي الفلسطيني الميمون
آخر العرب
آخر الأبطال والفرسان
الميمون لا يكف عن مزج الثقافة بالوعي الديني والقيمي بالسياسة المتلاطمة
فتظهر كأنها غريبة بعيدة عن مسار الاتجاهات السائدة أو الرائجة
هو السياسي القَلِق، لكن الملتزم
لم ولا يكف يطرقُ أسماع السياسيين في ذاك التنظيم الكظيم أو أخيه اللئيم
ليفهموا
وما فيهم اليوم من فهيم!
فلا تجد سوى الموبوء أو المنزلق أو السقيم!
صديقي المتألم تعاطى مع السُقماء…
الذين أصيبوا بالصمم والعمى ووقر القلوب.
الليثُ المتألم يقف وحيدًا بمواجهة السقماء
فلقد غاب الأشراف والأسياد والحكماء
هو المتألم الأبدي الذي يخوض في مستنقع المرارة
يخوض المخاضة لعله يجد موطنًا لم يجده حتى اليوم.
عجزتُ عن كتمان الصبابة في قلبي، ففاضت روحي بشوق لا ينتهي إليكم
وغلبتي مشاعر أنس أيامنا الباقية، فانفجر قلبي يعلن لكم الولاء والوفاء
الحائكُ حين يعلن براءته من أوشحة السياسيين العفنة
وحين يدوسُ برجليه الواثقتين أقنعتهم المزيفة
فهو لا يطاردُ الأشباح
بل يلاحقُ القلوب الميتة والعقول المتحجرة.
الحائكُ يصنع مستقبلًا يتجلّى متحلقًا حول فلسطين.
وبوعي الإرادة وإنفصال الروح عن المادة المترسبة في كلّية الأشباه.
صديقي الأنيق حين يُحب
يكونُ للشجر كما للبشر كما للحجر مكانًا لا يزول.
(كَالفَراشِ الَّذي رَأى شُعلَةَ النّا … رِ فَأَهوى إِلَيها حُبّاً لِأَجلا)
وهو -كما أسرّ لي أكثر من مرة- لا يكره إلا الأخلاق الخصيمة والقيم العديمة
فأحبَ كل الناس!
مهما ظلّوا يتجنبونه.
فالظلمة تتجنب الضياء
والصِغار يخافون الفاتحين.
عندما أكتب صديقي الحائك أتذكر سلالة المجد الطويلة
والتي امتدت لسنوات العروبة القابضة على جمر الأمة
والحضارة بمعطياتها الاسلامية اللصيقة والمسيحية المشرقية المنفتحة
إنها الحضارية التي عالجها الصديق الحائك مطولًا في جلّ غزواته
كان ينهلُ من التاريخ…
فيبكي سواد أيام لم تخلُ من عواصف تهب اليوم بشراسة
صاحَبَ الغُزاة من الشرق والغرب وتطوع ليلاحقهم في الأسحار وحين غياب الأقمار
لعلّي بقلمي الرصاص أكون قد حفرت كوكبًا في بستان عقله الكبير
كما حاولت الوصول لضياء قلبه وانفعالات نفسه المرهفه وروحه التعبة أبدًا
إنها روحه التي لا تجد راحة ليلًُا ولا نهارًا.
وكأنه يتمثل بيت الفخيم المتنبي
(أَبْلَى الهَوَى أَسَفاً يَوْمَ النَّوَى بَدَني … حَتَّى لَقَدْ صِرْتُ مِثْلَ العَرْجِ-الفراش- في النَّارِ)
لم أجد منه البسمة أو الضحكة إلا متى ما ارتبطت بالأليم …
والكظيم والعظيم المأساوي
حائكنا البهيُّ يحوّل المأساة التي لا يقبلها وينفر منها الى مهزلة بشرية متنقلة
يكتبُ برصانة القائد المنفتح أو المنبسط
ويسخَر من محيط مليء بالرذائل لينجو
مماذا ينجو؟
من السقوط
وللنجاة يسعى ويعالج أورام نفوس قلِقة كثيرة
نفوس لم تعد ترى من إشارات الحياة…
الا التملق والتسلق والتذلل والنفاق
وبالأغبياء والمستبدين والكذابين ترزق.
الحائك الذي عرفته من سنوات يسير اليوم مثقلًا
فلم يكن ليوم واحد أن أرتاح لا في كبده ولا في قلبه.
وماكان ليعشق الظهور
فيما أن الخفاء مع الدموع طويّته والانزلاق من بين أصابع التيه شيمتُه.
لينطلق نحو فضاء الرحابة والاحتضان
قلبٌ شغوف بالمحبة والعمل والعطاء.
الكائن السماوي الذي كان بالنشاط الوفير يتحدى الهدوء القاصف
عاد من رحلته الأخيرة لينكمش
يبكي وحيدًا ويفرح -وقلّما فرح-وحيدًا
بين ثنايا المحبة ووفير الإشفاق على البؤساء
أنهم البؤساء الذين يملؤون الأرض سنابل طاهرة.
بزيّه الأخضر الجليل لا يرقب الشمس الحارقة
بل القمرَ المنير
لعلّه من أشعته البسيطة يصنع سجادة النقاء
ويحيكُ أرواحًا نقية عفية طاهرة .
الحائك الصامت الذي عاد مؤخرًا من رحلة شقية بائسة
رحلة أقعدته عن البسمة الصافية بين سفاسف السياسيين وخداع الممثلين
إنهم الحمقى الآفلين ذوي الوجوه الكالحة
هم ذوو الأفكار الطامحة بالنوال!
وما للنوال والكلاحة؟ فلا علاقة ولا سببية ولا حياة.
الحائك الذي عاد مؤخرا من رحلة عرجاء
ناخت فيها الجِمال
ولم تحتمل قيظ الصيف ولا ثقل اللصوص الذين اعتدوا على القافلة
شهد الوقائع والمشاهد كلها
وبرز بسيفه الفضي
يتحدى الموانع وسواد النفوس
لكنه حين بروك الظعن لم يستطِع النهوض… فأتم الحِجّة الثانية
وسار نحو البيت العتيق
لعله يجد في مفترق الطرق شيء من عصير القلوب المتعبة
أو قليلًا من رحيق الزهور.
وما ذاك بيسير!
رحمه الله في الدنيا، وحين يخرج الناس “من الأجداث سِراعًا”
كل الاحترام والتحبب والشوق
لعالم أو أديب أومفكر أوكادر أوسياسي منتصب
لكل طالب أو عامل أومعلم أو فلاح أوبنّاء يتصبب عرقًا
كل الاحترام لقروي بسيط يواجه العاصفة وحيدًا
ولمثله ممن كفر بالزمن الراكد فقذف حجره المقدس
ويحيكُ من ذهب الشمس قلادة الثوار
ومن شعاع الشمس ألوان الربيع
كل المودة والرياحين لمثقف مقاتل
أو تاجر يقبض الجمر
ومجاهد يختال برداء العنفوان
صنع من قصب الحقيقة سِلالًا
يوزع فيها فيوض الودّ
وتفاح الخلود على الراغبين.