مشاهد لاذعة على هامش المؤتمر!
في كل التجمعات من ندوات أو دورات أو مؤتمرات أو لقاءات وجاهية لا بد أن تصادف طرائف وغرائب كما قد تصادف عجائب ومواقف لاذعة مما يحزن أو يقع في دائرة “شر البلية ما يضحك”، ومنه أضع بين أيديكم هذه المشاهد التي لا تعبر بالضرورة عن مجمل المشهد ولكنها ملاحظات شخصية
1-أسرّ لي أحدهم بالقول أن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، كان فقيها ومفوّها متحدثًا منظرًا لا يشقُ له غبار ومع ذلك ناصبته العداء فرقة الخوارج المتطرفة وفي ظل صراعه مع الطرف الآخر قائلًا: فما بالك تظن أن اصحاب الفكر والثقافة والقِيَم سينتصرون!
2- في سياق الحديث عن إدارة المؤتمر وضعت مثالًا حيًا فيما حصل بأحد مؤتمرات الحزب الاشتراكي السويدي الذي حضرته من سنوات وكان عدد الذين استئذنوا بالحديث 60 شخصًا ما يعني بمفهومنا أن ذلك سيأخذ وقتًا طويلًا فهممت بالخروج من القاعة كضيف فاستوقفني أحد الاخوة قائلًا انتظر فلكل متحدث دقيقة فقط لا غير، فتعجبت! وراقبت الموقف إذ كان يصعد المنصة المتحدث بعد أن يكون قد سجّل اسمه مسبقا حاملًا الهاتف النقال أو الحاسوب اللوحي أو ورقة ويعرض منها ما يريد مرفوقًا بمقترحه بدقيقة، ثم ينزل وهكذا سار الأمر باستثناء أن أحدهم أصرّ على تجاوز الدقيقة فأعلمته رئيسة الجلسة أن يسجل للدور مرة ثانية ويعود للكلام بالدقيقة الثانية بعد آخر المتحدثين وهذا ما كان. وبعد التحري اكتشفت أنه عربي سويدي!
3-كانت فكرة توزيع كُتيب يتضمن أسماء المرشحين على الأعضاء خبيثة وكارثية إذ انخرط كثير من الأعضاء في مفاوضات ثنائية ضع إشارة عند إسمي لأفعل ذلك بالمقابل! فكنت ترى على الطاولات التي ضمت المئات أفرادًا يدورون على الجالسين يتبادلون الإشارات لإسمائهم بكل أريحية! غابت معها الأفكار والسياسات والحوارات والبرامج والقيم إلا أعطني لأعطيك!
4-الرؤوس الكبيرة كانت تدير الآلية الانتخابية عبر مطابخ ثلاثة داخل المؤتمر وخارجه وأتقنت اللعبة الانتخابية والتحكم بالوقت والأصوات على حساب الفكرة والرأي فكانت التحالفات وكانت الأصوات المدروسة التي عكست ذاتها في الإطارين معًا.
5-لم يفد أحدًا لا فِكْرِه ولا ثقافته ولا تاريخه ولا مقدرته على رسم معالم المستقبل بمعنى أن لديه برنامج مجهّز للملف الذي يتوقع آملًا أن يستلمه، فسادت الأجواء الانتخابية ومقدرة المطابخ أو غرف العمليات على أي علم في المؤتمر.
6-تسمع من المتزلفين والكذابين والانتهازيين وأصحاب الوجوه الكثيرة: أنك صاحب العقل العظيم! وأنك معلمنا وتتلمذنا على يديك بالدورات الكثيرة ومن ندواتك أوالكتب!؟ وما أسوأ هؤلاء التلاميذ وأكذبهم! أوتجد من يقول لك أنت المنظّر العتيد والمفكر الفريد. وسمعت من آخرين من يطلق على فلان أنه البطل بحجم بيضة نعامة! او بحجم شاحنة أو الأسير المحرر الجهبذ أو القائد الأسد المرعب! وعند الامتحان يُهان الشخص ولا يكرم من ذات الكذاب الأشر ذو العقل الوظيفي الانتهازي.
7-هناك عدد من المؤتمرين ممن اشتهروا بالعُبوس والتقطيب والكشرة بشكل دائم بل والجلافة بالتعامل، لكنهم بالمؤتمر -يا سبحان الخالق- انفرجت أساريرهم، وظهروا لطفاء لمرة واحدة! وكأنهم قد أجروا عملية جراحية للوجه وللفم والخدود جعلتهم منفرجي الأسارير ضاحكين بسبب وبلا سبب!
8-ذوو العقلية الوظيفية الانتهازية أو الأتباع المأمورون ممن كانوا لأسيادهم حراسًا ودعاة لكنهم حين ترشح أحدهم للإطار الثاني ورأي أن “السكينة حامية” على رأس معلّمه ضحّى به لصالح فوزه هو بالإطار الثاني.
9-صاحب قلم جريء ممن أعرفهم ويعرف أن لاحظّ له في سوق التحشيد والتجييش القبلي (قبائل فتح) كان يردد المثل الأثير “إن أجَت غنّت وإن ما أجت غنّت”! لعلمه بصعوبه نجاحه لكنه الصراع الواجب خوضه.
10-شاهدت عداوة أو نفورًا واضحًا بين أصدقاء لمجرد أنهم يقتحمون ذات المجال أي بالإطار الثاني رغم أن توحدهم معًا نحو فكرة كان سيعطيهم فرصة أكبر! لكنه العقل الغربي الفرداني المنتشر.
11-فكرة التصفيق داخل المؤتمر لكل كلمة من شخصية معروفة لم تقابل بالصندوق الذي حكمته الحسابات والتقاطعات والتحالفات للكبار ففشلت الكلمة والعقل والقيم أمام الصندوق ومتطلباته!
12-لم تفلح محاولات الظهور التأثير المبالغ “الدراماتيكية” للبعض في حصد الأصوات، كما لم تنجح محاولات إدراج مناقشة التقارير وتمديد المؤتمر لتأخذ حقها قط فكان مؤتمرًا انتخابيًا بامتياز.
13-أشيع بقوة فكرة توزيع المال السياسي من قبل التيار المركزي على الأعضاء خاصة ممن هم موظفين بالمؤسسات المدنية أو الأمنية الى الدرجة التي قال لي أحدهم: أنني لو حصلت على المبلغ المتداول لانتخبت طاولة إن شاءوا!
14- عودة لعلي ومعاوية وحربهما (الفتنة وموقعة صفين) تمثل أحد الأصدقاء من القلة المثقفة (بأحسن التقديرات لم تتجاوز 10% من المؤتمر، والكوادر 20%) قائلًا أن الناخبين يُصَلّون وراء عليّ لأن الصلاة وراءَه أثوب، ويأكلون على مائدة معاوية لأنها أدسم، وعليه فهم يحملون سيف معاوية!
15-كان المؤتمرون وكأنهم في حالة تنويم مغناطيسي تبعدهم عن الإحساس بواقع الحال المزري (ترسيخ الاحتلال للضفة وتمزيقها ودمار غزة الرهيب، وغياب فلسطين عن العالم العربي، وتعملق عصابات الإجرام الصهيونية ونزق ترمب ونتنياهو ووحشيتهما، وانقسام العالم وظهور قوة عظمى جديدة….وما العمل؟)
16-قدم اليّ أحدهم باكيًا بعد النتائج ليقول أنه مناضل ولم يحصل على أي موقع!؟ فأي تفكير هذا الذي يفترض الأخذ والموقع وليس العطاء والنضال؟! وقدم آخر نفسه أن مناضل إذ أنه قد جرح في مظاهرة من 20 عامًا!؟ أثناء رعيه الغنم!؟ ونقطة وأول السطر!
17-بعض من قدموا أنفسهم لي أنهم يحملون شهادات عليا! لم يستطيعوا أن يصيغوا جملة مفيدة! عوضًا عن أن الشهادة وحدها ليست القيمة الرئيسية في العمل النضالي حيث تشابك النظري بالعملي.
18- فشل نظام المؤتمر عن بعد للأسباب التقنية أولًا ولأسباب اختلاف الأوقات والوضع الأمني، خاصة في قطاع غزة، كما انعدام عدالة التمثيل للساحات عوضًا عن عدم معرفة الأعضاء بعضهم ببعض خاصة بالإطار الثاني مما حدا -في ظل انتشار الفردانية “انا ومن بعدي الطوفان”- أن يلجا الكثيرون الى عشوائية الاختيار بعد الرقم 40 أو 50 من الاختيار ل80 عضو بالإطار الثاني.
19- ضم المؤتمر في جلّه -وما من عجب هنا- جمهور الحركة وليس كوادرها أبدًا، لذلك كنت تتجول في سوق ترى فيه المناداة على جميع أنواع البضائع!
20-كان الأجدر مما قلناه مسبقًا ضرورة الفصل بين المناقشات للخطط والبرامج وبين الانتخابات بمعنى أن تكون النقاشات في كل ساحة بساحتها بعيدًا عن ضغط الانتخابات والخلاصات بلجنة مشتركة بين كل الساحات للصياغة النهائية. وبعد شهر مثلًا يتم عقد الانتخابات فقط للإطار الثاني لكل ساحة حسب النسب (كان الاقتراح لساحة الضفة 35 ولساحة غزة 25 وللخارج 20). أما بالنسبة للمركزية فمركزيًا على كل الساحات.
*أكتفي بمثل هذه المشاهد -وفي الجعبة الكثيرمما لايقال فليس كل ما يعرف يقال-لأردد قول الشيخ هاني فحص رحمه الله أنه أحب “فتح” لأنها بنت فلسطين وأم فلسطين وشبه فلسطين خاتمًا أنه لا يريد لمثل هذا الشبه أن يتناقص. ولنا أن نقرن ذلك مع واجب التفكر والتأمل، وتظل فلسطين فوق الجميع والشعب الفلسطيني أكبر من كل قياداته.
