فكر

مفاتيح الودّ

 

في معرض الحديث عن العلاقات الانسانية في أي مساحة كانت بين الأهل أو الأصدقاء أو في العمل الوظيفي أو التنظيمي او التطوعي، وعدّد ما تشاء من علاقات فيها يتشارك اثنان أو أكثر الحوار أو الحديث أو التواصل لك أن تضع أفكارًا أو ترسم قِيمًا وأخلاقًا كثيرة، ولك أن تدعي المعرفة وتبرز ذاتك كصاحب قضية أو صاحب قِيَم وقد تجد من هؤلاء الكثير. ولكن حين الامتحان يسقطون جميعًا! في سوء سلوكهم المفتاح الحقيقي للشخصية التي تحاضر عليك بالبِرّ والتقوى، والثقة والمحبة والعطاء والاحترام والتواضع والعفو والكرم والصبر والصدق والاخلاص….الخ وتلقي عليك بأحاديث ترهيب ما أنزل الله بها من سلطان يقرعُ فيها أذنيك وهي لم تخرج أصلًا من قلبه الأسود! بل من شفتيه الملطختين بسواد قلبه.

الكثيرون سواء في الحياة العادية حيث اللقاء الوجاهي الثنائي أو الجماعي يُفتون بما لا يعرفون، ومنه في العلاقات والأفكار والقيم والأخلاق وآداب التعامل (ما يسمونها بالغرب اتيكيت) ولا يعلمون ضمن هذه الآداب أدب التعامل مع الخالق سبحانه وتعالى، ومع الذات وصولًا للتعامل مع الآخرين، وكلها في رباط متين لا ينفصم. بمعنى أنه يسيء أدب التعامل مع ربّه أو يظهر بالطقوس الدينية أو الاجتماعية التزامه بالأدب وحين يتعامل مع الشق الآخر من الطقوس أي الانعكاس على السلوك البشري تجد التناقض كما تجد الوحش البشري يتجلى في أكثر الصور قتامة.

ما بين الليل والنهار سويعات ينقلب فيها الشخص المتناقض في أقواله وسلوكه أو قيمه المُدّعاة وسلوكه الكثير، ومن هؤلاء لا بد أنك صادفت البعض، وفيهم كتبنا وكتب غيرنا الكثير، أي فيما يضئ الطريق نحو حُسن العلاقات ضمن المنطق الرباني الذي ربط العلاقات بالأحسن هنا حيث قال “وقولوا للناس حُسنأ” والتي أحد أفهامها إفشاء السلام، وحيث قال المسيح “واحسنوا الى مبغضيكم”، وحيث قال المولى أيضًا “وقولا له قولًا لينا” والكثير من الآيات والأحاديث الكريمة ذات الصلة.

ما لهذه المقدمة قد طالت! وعنواننا قصير فأنا أريد التوضيح أن ما اكتشفته على مدار سنوات هو أن مفاتيح القلوب قد تكون كثيرة أو قليلة وقد تختلف في حالات كثيرة، ولكنني قد أزعم قائلاً أنني عرفت منها الكثير سأذكر خمسة أساسية لربما تكون مفيدة لمن يبغي دخول الأبواب المغلقة فيكسب الودّ مع التحذير أنها قد لا تعطيك الرد المتوقع أو الاستجابة المتوخاة فالقلب الأسود المقابل، أو القلب اللئيم أوالحسود أو الحقود قد لا يفيد فيه أعتى المفاتيح

  1. شكرًا، جزاك الله خيرًا، أحسنت: كلمة لربما يقولها المؤدبون كثيرًا وتدرج على ألسنتهم أحيانًا بلا وعي، ولكنها في حقيقتها مفتاح للودّ، فما لك لا تشكر سائق الحافلة، أو سيارة الأجرة على توصيلك! وما لك ألّا تشكر بستاني المزرعة على ابتسامته! وما بالك لا تطلّ برأسك لتقول مبتسمًا شكرًا لحارس البناية أو البقال أو عامل النظافة أو ابنك أو زوجك أو صديقك مهما كانت الخدمة بعينك ضئيلة! فكيف ترى متى ما ارتبطت بابتسامة صافية! وكلما كانت الكلمات تعبير حقيقي عن مكنون القلب فُهمت وقُبلت وأضافت نقطة في سجل نقاط المحبة والاحترام والثقة.
  2. آسف، أخطأت واعتذر: من أبرز المفاتيح الذي تعبر عن الاحترام والمحبة والثقة وتجلب الودّ هي ثلاثية ضمان دوام أي علاقة. وفي الأسف والاعتذار الحقيقي تعبير عن الثلاثية واعتراف بالخطأ ورغبة حقيقية بالتوبة عن الفعل، وبالتالي التغيير. ولكن إن ارتبطت باللفظ دون القلب لن تجد بعد برهة إلا وأنت تجالس نفس الشخص الذي تأسف فلم تخرج من قلبه أي نبضة ترتبط بشفتيه واللفظ! إن الاعتذار بلسمٌ شافٍ للقلوب واعتراف بالآخر واهتمام لا تشوبه شائبة وذلك ضمن شرط النيّة الصافية وإرادة التغيير الذاتي وحقيقة ومصداقية القول (وتعبير جسدي) الذي يتجلى فيما يتلوه من فعل وسلوك.

عرفتُ من الناس الذين يأبون الاعتذار ويفترضونه انتقاصًا من شخوصهم وإدانة لشخصيتهم! فيعمون عن الهدف الحقيقي وعن فكرة أن النفس فيها السيء والحسن، والمواقف متبدّلة وأن الحديث عن الموقف وليس كليّة الشخص. وقد تصيب أو تخطيء و”كلّ ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون” كما قال سيد الخلق، فما بالك بمن يبدأ بالاعتذار ثم التوبة المعبّر عنها بالسلوك اللاحق!

  1. جميل، لطيف، حسن: إن الثناء ونؤكد بالطبع الثناء الحقيقي والمقصود على أي فعل -يستحق الثناء- صغُر أم كبُر يُعدّ من مفاتيح الودّ وفتح القلوب وانطلاق النفوس. والشخص اللطيف بالثناء لا يفقد شيئًا بل يكسبُ محبة وسؤدد ومنزلة تكبُر كلما شعر المتلقّي بحقيقة أو دفء الثناء أو الإشادة. فما بالك لو كان ذلك بين أستاذ وطالب مجتهد، أو مدير وموظف، أو قائد وكادر. وقِس على ذلك في الحياة اليومية التي ترى فيها القائد الأبلق يسرق جهود كوادره وينسبها لنفسه!؟ ولا يعرف من الثناء على الآخرين الا أنهم صنيعته!؟ أو افتراض الثناء هو الافتتان بذاته المتعملقة وسيل التزلف والمتزلفين الذي يملأ الحياة الاجتماعية والفضاء الرقمي (يقابله التشاتم وصخب التخاصم والاتهامات والنميمة).
  2. ما رأيك، كيف ترى، زِدني: إن طلب الرأي من الآخرين ليس فقط مفتاح للقلوب بل هو حبلٌ يَشد الناس ببعضها وفق الفكرة العربية الرئيسة التي ترى الأفكار حبالًا أو الحديث حبالًا تُشَد وتُرخى حين القول “يتجاذبون أطراف الحديث” ولعمري أنها لأفضل التشبيهات حيث الودّ ينطلق من الشد والرخي المتبادل للخيط أو الحبل. وما معاوية إلا مؤسس هذا المفهوم حين رفض قطع الشعرة التي تسمّت باسمه “شعرة معاوية”. القول هنا هو أن الاستشارة والسؤال وطلب الرأي من الشخص الآخر، وخاصة المقرّب هو تقريب للقلوب وأسْر للعقول وإحاطة شاملة حين يفترض الشخص أن للآخر ما يقوله وأن له حق التعبير حتى لو كانت الفوارق العلمية أو العمرية أو الفكرية بين الطرفين كبيرة. والقول هنا كثير نختار منه قول الشاعر “عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة /كحدة السيف لا تغني عن البطل”.

وأعرف هنا من يأبى القول “ما رأيك؟” ولو كانت تعبر عن رغبة بالتودد حين الطلب الذي متى ما اقترن بالتواضع وعدم العليائية أو السيطرة أو الأمر المباشر لقيت عظيم القبول ونِعْم الاستجابة.

  1. أعذرني، ممكن، لو سمحت لي: إن الاستئذان حين القيام بعمل ما، أوبالحديث أو المقاطعة أو الدخول في المنطقة الخاصة للشخص هو بمثابة المقدمة للمقال أو التسخين للرياضي أو المقدمة الموسيقية لأغنية من أغاني العمالقة حين يتسق اللحن مع الصوت والكلمات في نسيج يعطيك أغنية خالدة لذا فإن الاستئذان جميلٌ، والطلب العفيف أجمل وابداء الرغبة لطيف تقديمها بما ذكرناه من كلمات أو ما يشبهها.

وعرفتُ هنا من يقطع عليك حديثك وأنت منخرط به مع الآخرين المستمعين بتلذّذ، وكأنك غير موجود البتّة فيدخل مفترضًا حقّه وبلا “إحم ولا دستور”، بل وحين تعود لحديثك بطلب عيون الآخرين يقوم منصرفًا!

وفي الإطار يجب التنويه أن الكلمات التي تغادر الفم قد لا تُعطي معناها قط إن ارتبطت بسوابق نقيضة بين القول والفعل، أو إن ارتبطت بلغة جسد مخالفة كليًا لنبض الكلمة والقلب، فما بالك بوسائل التواصل الاجتماعي التي عبرها لن تفهم مثل هذه الكلمات حقيقة أم سخرية! وتهكم أم تعبير عن غضب كظيم.

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى