أحدث مقالاتي

لإحياء ذكرى الكارثة الكبرى والنكبة الثانية العظمى منذ مذبحة المعمداني (17/10/2023م)

 

وقعت مجزرة المستشفى المعمداني (المستشفى الأهلي العربي) في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2023م، وذلك عندما استهدفت غارة عدوانية صهيونية ساحة المستشفى في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، التي كانت تمتلئ بمئات النازحين والمرضى والجرحى الذين لجؤوا إلى المستشفى باعتباره مكانًا آمنًا!

أسفرت المجزرة الإسرائيلية الرهيبة ضد المدنيين الفلسطينيين العزل عن استشهاد ما يقرب من 500 وإصابة أكثر من 300 آخرين بجروح متفاوتة. وكانت الغالبية العظمى من الضحايا من النساء والأطفال والنازحين الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء.

المستشفى الأهلي العربي المعمداني يعد من أقدم المنشآت الطبية في قطاع غزة، وهو يتبع الكنيسة الأسقفية الأنجليكانية بالقدس.

لقد أثارت هذه المجزرة الكبرى موجة عارمة من الغضب والتنديد على المستويين العربي والعالمي، وأعلنت الرئاسة الفلسطينية الحداد الرسمي ثلاثة أيام على شهداء المذبحة الكبرى.

مع الخلاف الذي وقع حول تقدير الحدث في 7/10/2023م بين من يرى أنه مباغتة أو طوفان أو زلزال أو اختراق، ومن يرى أنه سوء تقدير وفشل فظيع في تقدير مستوى القوى أدى إلى كارثة عظمى ونكبة وإبادة جماعية، اختلفت التحليلات، وقامت وسائل الإعلام بالنفخ في كير الفتنة، فتولت أمر التضليل بتصوير قوة الفلسطينيين كقوة الاتحاد السوفيتي السابق مقابل أمريكا، وجيشت جيوش الجالسين وراء الشاشات ليدافعوا عن الحلم الكاذب والأمل الزائف بالانتصار، دون أدنى تردد في وصم المخالف للحلم والأمل الخادع بالخيانة، فكان التضليل والتحشيد والتجييش هي السمة الملازمة لوسائل الإعلام، حتى انتهت أسطورة الفخ إلى دمار شامل لم تبلغ البشرية مستواه منذ أكثر من 100 عام في جوانب عدة، كما أشار الكاتب الأمريكي روبرت بيب وغيره.

لم يكن من خلاف على مذبحة المستشفى المعمداني في دول العالم إلا ما كان من الغلو الصهيوني الذي كان الإنكار نهجه، متبوعًا بالتهديد العنصري والوعيد، وبألفاظ نازية عن الإبادة لم تقف عند حد الشفاه لتنطبق على الواقع بالقتل الممنهج والقصف والتدمير في أسوأ المذابح وعمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي على مدار الأعوام الثلاثة المتواصلة حتى الآن (ومن غزة إلى الضفة إلى قمع الضمير العالمي)، وهو ما لم يحصل بالشدة والقوة والمساحة والعدد منذ الحرب العالمية الأولى (يراجع روبرت بيب أيضًا).

إن النكبة الثانية على رأس كل فلسطيني وعربي أو حر في العالم قد ظهرت عيانًا منذ النكبة الأولى عام 1948 وبالدعم الإنجليزي غير المحدود، وبتتالي المجازر التي تعملقت أمام الشاشات المفتوحة بمذبحة المعمداني 2023م وما تلاها، ما جعل الانقلاب والانعطافة هما السمة العامة للرأي العام العالمي والضمير الإنساني الذي اكتشف فجأة أكاذيب “حق الوجود” للكيان، و”الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” و”الجيش الأخلاقي” وغيرها من الدعايات الصهيونية الأمريكية المضللة التي غُلّفت برداء “معاداة السامية” المسموم الذي يطيح برقبة كل من يقف في وجه العدوان الصهيوني وجرائمه المتتالية وإبادته.

هذه المذبحة الرهيبة التي ندعو إلى إحياء ذكراها سنويًا، أي ذكرى “الكارثة الكبرى والنكبة الثانية العظمى” على أهل فلسطين، هي التي يجب ألا تهمل قط ولا تنسى، ويجب إحياؤها سنويًا لأنها تمثل إحياء ذكرى السنوات والأيام الدموية اللاحقة كلها التي تواصل فيها البغي والقتل والظلم والإبادة بشكل غير مسبوق في التاريخ، وبشكل ألهب مشاعر العالم القريب فقط، وأيقظ المنظومة الأخلاقية الحقيقية للعالم البعيد (الغربي) بجماهيره الثائرة ثم حكوماته، وهو العالم الذي اكتشف فجأة أكاذيب الأخلاق الغربية وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، التي تبنتها العديد من الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا، وتغاضت تحت لوائها عن المجرم والقاتل في إطار المصلحة وتبييض الصفحة الاستخرابية (الاستعمارية) بالدعم اللامحدود للكيان الإسرائيلي.

لقد مثلت الإبادة الجماعية الصهيونية، ومنذ ذلك التاريخ المرعب، كيًّا للوعي الغربي المرتاح لحضاريته الموهومة وسبق أخلاقيته بدعمه اللامحدود للإسرائيلي التي تهتكت تحت ضغط وسائط التواصل الاجتماعي وعلى مرأى من كل العالم، وعبر النقاط التالية:

1-شكلت الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والمذابح في غزة وفلسطين صدمة للوعي الغربي منذ أن أصبحت المستشفيات والمراكز الطبية على خطوط التماس، فلم تعد تشكل مأمنًا ولا قيمة لها خارج إطار العمليات الحربية، وجعلت الغرب يدرك أن فكرة “الدفاع عن النفس” يمكن أن تستخدم لارتكاب أعظم الجرائم ضمن سلسلة “الحقوق”، وهو استباحة مطلقة لكل ما هو إنساني أو مدني.

2-انكسار السردية الغربية والتملص الصهيوني: حيث حاولت السردية الإسرائيلية تصوير نفسها على أنها الضحية التي تدفع الأذى عن نفسها، وبدعم القوى الغربية لزمن طويل، إلا أن التحقيقات الاستقصائية المختلفة والبث الإعلامي الفلسطيني الاجتماعي من قلب الحدث، وما قامت به محكمة العدل الدولية ومحكمة جرائم الحرب وعشرات المنظمات الإنسانية والحقوقية، قد قلبت الطاولة على السردية وآليات التملص، ودحضت الأكاذيب والتضليل والتزييف، فأصبح العالم لا يقبل الروايات الرسمية بل وثار عليها.

3-وعي الشعوب وسقوط اللزوميات: فجرت المذبحة وما تلاها من مشاهد مرعبة وعي الشعوب بدءًا بالطلاب في أوروبا كلها وفي أمريكا وعلى مساحة العالم كله، فلم تعد اللزوميات الغربية تلزم الشارع، وهي تلك التي حصّنت الإسرائيلي واعتبرته ذا دم أزرق ليفعل ما يشاء تحت عقيدة الشعور بالذنب القديمة منذ الحرب الأوروبية (المسماة العالمية) الأولى والثانية.

4-سقوط قيم حقوق الإنسان الغربية: حيث بان أن التأييد الغربي اللامشروط للإسرائيلي المحتل والغازي والمعتدي بدأ يتآكل تدريجيًا منذ تشرين الأول من العام 2023م، خاصة بعد أن رأى العالم جهارًا نهارًا أشلاء الضحايا من المستشفى المعمداني، وهو ما شكل علامة فارقة ومهد الطريق لأول مرة لاتخاذ إجراءات قضائية تاريخية على طريق محاسبة الاحتلال، وهذا ما حصل في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

5-ظهور الظلم بلا عباءة: لقد أدت المقتلة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين من بوابة المعمداني وكل المراكز المدنية في غزة، وتكرار القصف على كل المنشآت الطبية والمدنية، إلى أن يدرك العالم أن عقلية التوحش قد ألزمت الإسرائيلي بعدم الالتزام بأي قيمة أخلاقية، مما يوجب على الغرب مقابل ذلك ألا يقف صامتًا، وهو الذي أدى على مدار سنوات ثلاث إلى اعتراف العالم بفلسطين، ومن دول لم يكن أحد يحلم إلى أمد قريب بأن تعترف بالقضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير.

إن إحياء ذكرى المجزرة في 17/10 هو إحياء ذكرى “الكارثة الكبرى والنكبة الثانية العظمى” على أهل فلسطين، التي يجب أن تصبح وطنية وعربية وعالمية كي لا يفلت الجاني من العقاب وكي لا تنسى الأجيال حقيقة الأحداث تحت غطاء التستر بأحداث 7 أكتوبر التي استغلها الصهيوني ليدفع بكل مكونات حقده الكامن ليصب النار والجحيم على الشعب العربي الفلسطيني بلا تفرقة ولا تمييز.

 

 

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى