المحاسبة والمثابرة ضد المتكسّبين!
في رد على أحد الاخوة الكرام حول الفصائل الفلسطينية وانتشار ظاهرة التكسّب على ظهر الثورة أو المقاومة عامة، ومنه في حركة فتح ما هو ليس بجديد لكن عملية فضح هذا النهج دومًا مطلوبة. فالمغانم (الحقيقية أو المتوقعة) تجذب الكثيرين ممّن لا مبدأ لهم سواء جاءت هذه المغانم من عباءة فتح او السلطة أوالحكومة أو أي فصيل آخر، أو عبر أي مؤسسة أو جماعة أو منظمة.
هؤلاء المتكسبون أو الانتهازيون بقوة وصلابة انتمائهم لمصالحهم الذاتية قادرون على التشبث والالتصاق كدودة العلق ما لا تستطيعه الفئات التطهرية أو الثورية التي تأنف البقاء حيث رائحة العفونة لا تطاق.
إن افتراض أن هذه التيارات أو الشخصيات الانتهازية تمثل الفكرة النقية شيء خاطيء، وافتراض أن شخص بمساوئه يعكس ذاته على مجمل العقيدة أو الفكرة او الفصيل أيضًا خطأ، الا إذا دعمه الفصيل او الجماعة علنًا وهو ما تجده بعديد الفصائل الملتصقة بقدسية فكرها وتنزيهه (مدرسة المعسكرين) فتلقي ذلك على مجمل أعضائها فتأبي المساءلة والمراجعات والنقد والنقد الذاتي فتهمين على الناس تحت ذات الادعاء، اي أنها تمثل الحق المطلق، والحق يسود ولا يحاسب.
في حركة فتح مقدرة عجيبة على تخطي المآزق وتجاوز العقبات، وقدرة أخرى تجذب فيها المختلفين وتعفو وتسامح حتى المتطاولين عليها وأحيانًا على حساب القوانين، فهي بعقلها العروبي والوطني والوحدوي المتميز المحتضن للكل المختلف والمؤتلف تشبه حديقة ظليلة ترخي ظلالها على كل أنواع الأشجار والنباتات فكريًا ووطنيًا، ولكن…!
ولكنك تجد في هذه الحديقة الفتحوية حين الإهمال وعدم الاعتناء والتراخي العديد من النباتات المتسلقة التي قد تغطي على الوجه الجميل فتبدو الحديقة خرِبَة. ومن هنا يقع الظن أن الأصل (الفكرة الوطنية الأصيلة، أولوية فلسطين، فكر الثورة والمقاومة والتحرير، والمنجزات، والرواد…) لا يختلف عن المآل أو الواقع السيء، ونحن نقول بالقطع لا. فهذا شيء وذاك شيء آخر.
إن “فتح” الفكرة الناجحة والجماهير الصامدة، والوطن والدولة، هي حركة المثابرة والأداء القوي الذي أوصل القضية الفلسطينية والمقاومة الوطنية الى العالم بقيادة الخالد ياسر عرفات، وهي فتح التي نركب سفينتها بثقة ومحبة وعنفوان. ومن ينكر ذلك إما موبوء أو حاقد وما أكثرهم خاصة عند تنظيمات الأيديولوجية المطلقة التي تُنكر الآخر وتُقصيه، وتحاول أن تخترع تاريخًا جديدًا يبدأ فقط من عندها فيما المقاومة والنضال والجهاد في فلسطين من قبل “فتح” ذاتها، وغيرها أي من أكثر من 100 عام.
نعم، لقد دخلت الحركة في مساحة الإهمال من جهة والفوضى في مساحات عدة، وأخطأت وهمّشت، وأخفقت في مواضع منها التصدي أو محاسبة فئات خمسة هم فئات: الانتهازيين والفاشلين والحمقى والمتكسّبين على ظهرها والمستبدين، فأصبحت مساحة الحوار ضيقة، وأخرج القانون من العمل فساد قانون المُهيمن.
فتح تعلمت من شعبها الأبيّ بعد أن فهمته بما فيه فأبدعت الفكرة وأصبحت المعلم. نعم إن فتح الفكرة الوطنية الديمقراطية الوحدوية التحررية الجامعة قد أصبحت فكر الشعب الفلسطيني عامة إلا من أبي. ومن أبى فلقد فضّل تمييز ذاته وفصيلة ضمن منطق أنا كل الخير وغيري كل الشّر فهو قد حشر نفسه في مساحة ضيق العقيدة الفكرانية (الأيديولوجية) وسبح بأوهام النزاهة والقداسة والهيمنة.
من هنا ولذلك وقعت أهمية خوض الصراع التنظيمي الداخلي، وذاك الخارجي (وقد يسبقه الذاتي الشخصي) وهو ضرورة لا محيد عنها للثائر أو الوطني او المقاوم والمجاهد الذي يرغب أن يكون له موقعًا هامًا في دفع سفينة نجاة الوطن الى الامام.
إن العقل الثوري والعقل المقاوم والعقل المنسبط هو العقل الذي لا يخشى مواجهة الصعاب أو الفئات الخمسة المذكورة، أو غيرها فيظل في المساحة ينتزع ويناضل ويقاوم ويصارع وهو ما يحتاج دومًا لجهد فردي وجهد جماعي متكامل.
إن فلسطين أكبر من فتح وأكبر من ذاك الفصيل المفتون بذاته أو غيره المنقبض في شرنقة ضيق فكره وذاك المغترب أو المستشرق وهي أكبر من كل الجماعات وأولويتها فوق الجميع.
قلت لصاحبي نحن نعيش ونتواصل ونثابر ونعمل يحدونا دومًا الايمان بالله، بالإيمان الذي لا تهده الجبال الرواسخ، والايمان بفلسطين والأمة والنصر، ومعه عوامل المقاومة والنضال بكافة أشكاله والصبر، والله معنا.
إن العقل الوطني لا يتعايش مع اليأس ولا مع فعاليات اللطم والبكائيات أو الشتم والتقبيحات كما لا يغرق في قعر اليأس لأنه أبدًا نابض بالحيوية، ومن المنعطفات الصعبة يتعامل مع النور في آخر النفق.