غير مصنف

المعارضة في حركة فتح

 (1) الخلاف

من يبتغي قراءة التاريخ الوطني الفلسطيني، والتاريخ الفتحوي يجد الكثير من الإخفاقات والكَبَوات مقابل الإنجازات قطعًا، ولكل قارئ أن يرفع من أيها عاليًا متناسيًا الأخرى وفي تلكما الحالتين يظهر المحبّون والمُبغضون، وقد يبتعد الموضوعيون عن كليهما.

لم تخرج الثورة الجزائرية (1954-1962م) إلى العلن لتعلن إطلاق رصاصتها الأولى بسهولة، بل عانت من الخلافات والتجاوزات (مصالي الحاج مقابل الجبهة) ومن ثم كان قرارها الوحدوي ضمن الإطار الثوري العسكري، لكنها عانت مؤخرًا من انقسامات شديدة. وبنفس المعنى يمكن أن تقرأ الثورة المصرية 1952م، أو جدل الاستقلال في تونس (بورقيبة مقابل صالح بن يوسف)، بل وفي إطار الثورة البلشفية الروسية عام 1917 وخلافات لينين وبليخانوف وتروتسكي…. الخ، وهي الثورة التي كانت ولزمن طويل تمثل أيقونة الثورات في العالم ما بين معسكرات أوتيارات ورجعية وتقدمية.

هذه المقدمة لتبيان أن فكرة الخلاف والاختلاف (البعض يفرق بين المصطلحين[1]) في الإطار القومي او الوطني أو الثوري النضالي عامة هي من سِمة الإرهاصات لأي فكرة أو الانطلاقة لأي فعل، أوالتجديد في المسار أو في المنعطفات، لاسيما وان الثورة هي بالأصل انقلاب على الواقع الفاسد الذي تترجمه التنظيمات الثورية والأحزاب ضد فساد الواقع الظالم، أكان استعمارًا أو احتلالًا، أو واقعًا سياسيًا مرفوضًا في مراحل الدولة الديمقراطية، أو التي تنهد نحو العدالة والشوري أو الديمقراطية.

 لم يخلُ تاريخ التنظيمات الثورية أو الأحزاب فيما لحق مرحلة التأسيس من الخلافات بل والانشقاقات فهي سِمة الرأي، وآفة الرأي الهوى كما يقولون، ولكن الاختلاف في طريقة التعامل والاستيعاب بين القانون/النظام وبين الأعراف، بين التسامح والاستيعاب وبين الردع والعقاب الرادع وهي نفس المواضيع التي تتردّد كلما ألمّت بفصيل أو تنظيم ثوري أو سياسي مشكلة حيث يصطف المناضلون إما مع هذا أو مع ذاك ويضيع بالمنتصف من يحمل لواء التوفيق والاستيعاب وقانون المحبة حيث سرعان ما يتهم من الطرف الغالب بمحاباة الآخر، بل ويصبح الآخر (المختلِف خاصة من صف القيادة الأول) سمًا قاتلًا يتم استخدام النسبة اليه (هذا من جماعة فلان) للتخلص من المنافسين على مختلف درجاتهم في السلم التنظيمي.

كثيرًا ما تكون الخلافات ذات سِمات شخصية بارزة، أو نتيجة صراع على النفوذ والمساحات ونتيجة الصراع على مراكز القوة التي تتنازعها الامتيازات والأخلاق أو اللاأخلاق والضمير واللاضمير فتضيع الجماهير بين الحقيقة وواقع الصراعات، وتصغُر القضية وتكبر الأنا، وتتوه الكوادر التي إما تتخذ موقفًا باتجاه طرف محدّد وغالبًا ما يكون الطرف المتوقع غلبته، وتنعزل مجموعة أخرى نأيًا بنفسها عن الصراعات الداخلية، وأخرى تخرج دون ضجيج (التطهريون) فهي لاتحتمل كل هذا الهدير، وأما أصحاب العقل ومنطق التقريب أو الموضوعيون فهم الأكثر احتمالًا للطعن إن ساروا على هذا الدرب الذي قد لايستطيعون الاستمرار به لرجحان كفة ما خاصة حين احتدام الصراع فيخرج عن مضابطه ليتحول لانتقامي أو إقصائي، فإما يميلون للموالاة أو المعارضة أو يَخرجون أو يُخرجون.

(2) المركزية

هل في التنظيم السياسي اختلاف أو معارضة؟ قد يطرح البعض مثل هذا السؤال مفترضًا ان الالتزام أو الانضباط يعني تخييط الفم وكتم الأنفاس، وغير قادر على التمييز بين الانصياع والاستسلام مقابل النقد والالتزام والانضباط النظامي. فيما بالحقيقة أن الاختلاف حقيقة كونية للبشر، لو فُهمت بمعنى المغايرة بالرأي أو الموقف او الاجتهاد (التخوين والتكفير ليس خلافًا بل فسططة من عقلية الفسطاطين أو المعسكرين المتضادين) ويبقى السؤال في الأغراض والبواعث على الاختلاف، ويبقى السؤال بالتوقيت وفي الإطار أو المجال المسموح داخله حصول الاختلاف وهو ما نفترض أهميته لأن الضوابط للخلاف أوالاختلاف أو المعارضة لا يكون بالهيمنة والغَلَبة السلطوية، وإنما بالقانون (وأحيانًا للتيسير والتقريب والتوحيد روح القانون الممزوج بالمحبة) والآليات الديمقراطية المنصوص عليها في النظام أو القانون دون تخويف أو ترهيب وبمنطق مسك العصا من المنتصف أو الردع المطلق ما يفترض بالقيادة الرُشد والحكمة.

المعارضة في حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح أي داخل التنظيم/الكتلة البشرية ترتبط غالبًا بأعضاء اللجنة المركزية، الإطار الأعلى الضابط، بمعنى أن أي معارضة (أو اختلاف) تخرج عن رأس الهرم أو لا تجد لها داعمًا منه لا يُخشى منها، وتكون قابلة للاحتواء أو الإقصاء أو الإهمال، لذلك مرّت على الحركة الكثير من حالات المعارضة أو الاختلاف الصعبة التي تم احتوائها أو تقليصها بسهولة، وتبقى المشكلة دومًا في الإطار القيادي الأعلى وطريقة تعامله مع الانقسامات أو الاختلافات الصعبة المرتبطة به.

الحالة الشاذة الكبرى في حركة فتح كانت متمثلة بحركة فتح-الانتفاضة أو من نسميهم في الحركة اليوم “المنشقين” منذ العام 1983م، أنها حالة خاصة خرجت عن الإطارالعام، ولعبت فيها الجغرافيا السياسية الدور الأكبر في ظهورها ونضوجها وانقلابيتها على الرأس الأول أي على اللجنة المركزية والأخ ياسر عرفات (أبوعمار)، فحق لهذه الظاهرة أن تتميز عما سواها بما سبقها وما تلاها. ولا سيما وأنها مارست العدوان العسكري والاستقواء بالخارج فحصلت المواجهات الدموية تمامًا كما حصل في خطيئة “حماس” الوطنية الكبرى عام 2007 بالاقتتال الداخلي. وكلا الحالتين في التاريخ العربي الفلسطيني مما يوضع تحتهما الكثير من الخطوط الحمراء، وضرورة النظر في تقييم التجربتين الدمويتين وإمكانية تجاوزهما.\

(3) تضارب التجارب

صراع الأفكار والمواقف والآراء داخل التنظيم (المنظمة) أو الحزب السياسي صراعٌ صعبٌ جدًا، وقد يؤدي لشرخ رأسي من أعلى قمة الهرم الى أسفله وخاصة بالتنظيمات الفكرانية (الأيديولوجية) التي ما أن يتخذ أحد الرؤوس فيها خطًا (فكريًا أو سياسيًا أو تنظيميًا..) حتى ينسحب ذلك على كل المؤمنين بالخط[2]، وهذا ما ينطبق على الأحزاب القومية والإسلاموية والاشتراكية، بل وعلى الخلافات الطائفية بالحقيقة.

لم تكن حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح حركة عقَديّة فكرانية (أيديولوجية) وإنما صاحبة فكر جمعي وحدوي وطني تحرري مثابر، لذلك تلاقت فيها كل الفكرانيات (الأيديولوجيات) فترة إزدهارها حول قضية فلسطين الجامعة، إبان المدّ القومي الجارف وفي عهد المعسكرين الشرقي والغربي، وعُرفت الحركة (بتياراتها) كيف تتعايش معًا ضمن مرحلة صعبة من مراحل النضال الفلسطيني، وكانت اللجنة المركزية تمثل الإطار الذي يجمع كل الخيوط في نسيج واحد فلا ينخرق الثوب.

كان لهيبة أوجاذبية (كاريزمية) أوريادة أو أبوية  ومرونة “شخصية اللجنة المركزية” بقيادة الأخ أبوعمارياسرعرفات أن حققت الرمزية الطاغية فكانت السبب الرئيس في إضفاء نوع من التماسك المرتبط بوحدة الهدف، والتصويب باتجاه واحد حين يُرفع شعار بوصلتنا فلسطين، فيجتمع المختلفون (والزعلانين) ويحتضنون بعضهم بعضًا.

منذ سنوات وحركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح تعاني من تضارب التجارب والمفاهيم-في ظل انحسار الخلافات الفكرية أو السياسية الحادة بانعكاس للمتغيرات الإقليمية والعالمية- ما بين تجارب الخارج من القاعدة العسكرية الى تجربة التنظيم (الكتلة البشرية)، وتجربة قيادات الانتفاضة، وتجربة المعتقلات الثريّة، وتجربة الأمن والسلطة والوظيفة والنقابة وغيرها من التجارب التي أدت لظهور تباين واختلاف خَطِر بالمفاهيم خاصة بين من أسميهم أصحاب العقلية الوظيفية المصلحية الأنوية (أنا ومن بعدي الطوفان)، وأصحاب العقلية الثورية النضالية. فالأولى تربط مصالحها بالمادة والفائدة المباشرة، والثانية بالمبدأ والقضية والضمير الديني والوطني، والأولى قصيرة النفس والثانية طويلته كما حال حرب الشعب طويلة النفس أصل فكرة الثورة.

(4) الأوركسترا

الأولى أي العقلية الوظيفية الانتهازية تُبهرج وتزيّن وتكذب وتتزلّف، والثانية أي العقلية النضالية المثابرة الديمومية تنتقد وتعمل وتُظهر المعايب دون إغفال للإنجازات، وبذا تقاطع أصحاب كل التجارب بين الفئتين يستقوي كل منهما بتجربته الخاصة ليكون إما أكثر انتهازية وإما أكثر وطنية ومازال الصراع قائمًا في فتح وما ينسحب بالحقيقة على كل تنظيم سياسي أو ثوري.

شكلت “شخصية اللجنة المركزية” لحركة فتح دومًا عنوانًا جاذبًا للحركة بمعنى أن الاختلاف حول مسلك أوموقف أو رأي أي من أعضائها باعتبارها الهيئة العليا كان يُفهم أن القدرة على ضبطه واردة من خلال “أوركسترا” الإطار الذي يناور بين حدّي التشدد والميوعة فيحقق الضبط والاتزان الصعب، انتصارًا “لقانون المحبة” الفتحوي على المفاصلة أوالحسد أو الحقد، وانتصارًا لعين الرضا وتغليبها على عين السخط، إلا في مواقف محددة قاسية مثل “الانشقاق”.

وبمناسبة ذكر الانشقاق فإن ما حصل على شدّته وصعوبته من قتل واستقواء بالخارج الا أن “شخصية اللجنة المركزية” استطاعت التغلب عليه، فعاد الكثيرون لحضن الحركة الأم فرادي كما دخلوها فرادي وكذلك الحال مع “جماعة أبونضال” التي أسمت نفسها فتح-المجلس الثوري التي قتلت من أبناء الحركة وأبنائها ذاتها ما يسوّد صفحة الجماعة لأمد طويل.

مال الميزانُ في الفترة الأخيرة داخل فتح نحو التشدّد من قبل الإطار الأول في تعامله مع المتغيرات التنظيمية ما لم تعهده الحركة، فرأينا الكثير من القرارات التي تتبرم بالاختلاف بدرجاته فتحبّذ اختراع (أو تفصيل وتكييف) القوانين التي تُجيز البتر على الاستيعاب، وتحبّذ الشدّة على اللين وتؤثر القطيعة المذمومة على التواصل المحبوب، وهو إن كان له من المبرر الشرعي أو القانوني فإنه لايصمد في ظل حركة وطنية رحبة هي شبِيه فلسطين وشبيه الشعب الفلسطيني بتنوعه، وهي الحركة التي مازالت تسعى جاهدة لنيل الاستقلال لدولة تحت الاحتلال على طريق النصر.

حركة فتح في أعين الجماهير لها صورة تاريخية مُبهجة وعظيمة غالبًا، ولكنها اليوم لها أكثر من صورة فحين ينظرون للأرض والميدان لا يجدون من أبناء المقاومة الجماهيرية الفاعلة الا أبناء الفتح الميامين فيُعلون من درجاتها حتى تحوز كامل الرضا، ولكن حين ينظرون لتداخلات السلطة الوطنية وبعض مساوئها (أو ما يظنونه مساؤي لها) يعكسون الجزء المستلب من الشخص أوالعدد المحدود على الكُلّ، فتصبح حركة فتح سلطة والسلطة فتح بمعنى النظرة السلبية هنا، وبذلك تتشوه الصورة ذات التألق المرسومة في ذهن الناس. أو يقعون فريسة الصورتين المختلفين بين الإيجاب والسلب وأصحابهما، أو يتوهون مع تعدد الصور لاسيما وعدو متربص يضخّم الأخطاء ويعظّم المساؤي، وتجد من أخوتك ممن يتساوقون معهم بقصد او بجهالة.

وبناء عليه فإن حركة فتح الحائرة بين الثورة والدولة، أو الوظيفية والنضالية قد نقلت حيرتها لحركة “حماس” فرأينا ذات الأمر مكررًا، إذ أن صعوبة أن يتواجد الاستقرار (السلطة) مع الثورة (المقاومة) هي صعوبة حقيقية نراها كل يوم ما يحتاج منّا لضبط الايقاع في سياق وطني وحدوي سواء داخل إطار كل تنظيم أو فصيل سياسي، وبينه وبين الآخرالوطني وفي الإطار والبرنامج الجامع لها جميعًا.

(5) باب النقاش

طرح أحد الاخوة الأحبة في خضم الحلقات المتسلسلة فكرة “نفذ ثم ناقش” أو “نفذ ثم اعترض” المتداولة، فكان لنا القول أن الفكرة هكذا دون توضيح دومًا ما تكون منقوصة الإسقاط، بمعنى ان الفكرة الرئيسة في طبيعة الحياة الداخلية داخل الثورات والتنظيمات السياسية عامة خاصة تلك  التي تأثرت بالثورات العالمية (الصينية، الفيتنامية، الجزائرية، الكوبية…) تعتمد مبدأ المركزية الديمقراطية بالجمع بين متناقضين في إطار من التوازن الصعب أي بين المركزية (والمقصود بها الأوامر الصارمة حين مرحلة تنفيذ العمل) وبين الديمقراطية بما تعنيه من حوار والتزام.

 فحيث تبرز المركزية (والمركزية هي نوع من إحكام السيطرة المطلوبة في أي إدارة/قيادة، ولكن حين سقوط القوانين والمرجعية المشتركة تصبح استبدادّا وديكتاتورية) يستدعي ذلك مساحات مسبقة من الديمقراطية، أي أن مرحلة التنفيذ قطعًا يجب أن يسبقها نقاش وحوار واخذ وردّ وليس العكس، هذا اولًا.

 وأما ثانيًا فإن تفعيل الحياة التنظيمية الداخلية وفق مبدأ الديمقراطية المركزية (واحيانًا تذكر المركزية الديمقراطية، بتقديم او تأخير) يفترض سلاسة الحياة وديمومتها من اجتماعات دورية وتقارير ونقد ونقد ذاتي ومساءلة داخلية وانتخابات دورية، مقابل الالتزام بالفكرة والإطار والفعل، وبالانضباط  للقرارات كل حسب إطاره، حسب التسلسل السليم، بما يتم الاتفاق عليه. وما بين الاجتماعين وتنفيذًا لما أقر فيها تكون هنا فقط الفكرة المقصودة بالتنفيذ الأمين.

ثالثا: لا يوجد في نظام حركة فتح الداخلي مطلق الفكرة التي يتم تردادها بلا سند نظامي (أي نفذ ثم ناقش) لأنها مجردة هكذا تخرق قاعدة المركزية الديمقراطية. ونعم هي فكرة مأخوذة من الحياة العسكرية فعلًا (خاصة ان سمة غالب الثورات كانت كذلك) بمعنى أن مرحلة التخطيط في الحياة العسكرية غير متاحة أصلًا الا لرتب معينة، وما على غيرها (مادونها) الا التنفيذ فتصح، بينما في التنظيم السياسي يتوجب على الإطار من الخلية فصاعدًا ممارسة التخطيط ومستلزماته كل في حدود مسؤولياته ومساحته، ثم التنفيذ يتعلمها العضو ويفهم منطق الأسبقية كما يفهم منطق التسلسل الرأسي.

والنقطة الرابعة فإنه في مرحلة التخطيط للعمل (مرحلة التخطيط هي المرحلة المنفصلة والسابقة على مرحلة النقاش فاتخاذ القرار، ليوضع بعدها القرار موضع التنفيذ دخولًا في مرحلة التنفيذ الامين) يجب أن تناقش بكل قوة وتقبل وترفض وتنقد وتبدع وتغير ومن ثم تصوت ومن بعد ذلك (تخطيط، نقاش، قرار، تنفيذ، تقييم) يتم التفيذ السليم. التنفيذ السليم حسب المُقرّ لا يعني إغفال أي اخطاء بالتنفيذ لاحقًا.

اما النقطة الخامسة هنا فهي أن زمن الضبط الحديدي-كما كانت تسميه منظمات اليسار في أنظمتها- للتنظيمات عامة المستقى من التجارب الثورية الصارمة قد ولىّ في ظل المعرفية الداهمة وثورة المعلوإتصالية، ما يحتاج لكثير نقاش وكثير رحابة وكثير استيعاب خاصة في ظل تنظيم لامؤدلج كحركة فتح ليستمر وهو ما كان من شان أسلوب المبدع ياسر عرفات وصلاح خلف وابوجهاد وهاني الحسن على سبيل المثال الذين آثروا فكرة إجهاد النفس ولساعات طوال لتحقيق التقارب على حساب فكرة الصرامة بالعقاب دون تدرج او تفهم او إعطاء الفرص النظامية للمراجعة وغيرها.

(6) المهرجانية

الانتخابات التشريعية والانتخابات البلدية في فلسطين، وعديد القرارات التي ترافقت معها كانت في إطار تحبيذ التشدّد على التسامح والتفاهم ومدّ اليد، (وهذا ينسحب رأسيًا من الأعلى الى الأسفل وكأنها أصبحت ثقافة مستقرة) وفي إطار إيثار أو استسهال القطع على الوصل. لأن في فتح تيار لايؤمن بالاختلاف أوبالمعارضة الداخلية عامة، لاسيما والمؤتمرات لاتتخذ المسار التقييمي، وإنما الاحتقالي والمهرجاني الانتخابي فقط، وقد يسخّر المتنفذون النظام/القانون لأغراضهم، فكيف بالله عليكم سيكون موقفهم من تلك الفئة التي تفهم المعارضة أو الاختلاف بشكل خاطئ فتخرج ولا تعي معنى النقد في إطاره، أو أصلًا لا تطبقه أو لا تسمح به فلا اجتماعات ولا أطر فاعلة ولامتابعة!

الموالون من تيار القطع والبتر لأشدّ أو لأوهَى (أضعف) الأسباب يتحدثون من موقع السلطوية المؤقتة، والنفوذ الذي هو بالحقيقة والواقع غير الدائم، وليس من موقع الجمع وتقنين الروافد لتصب في النهر الكبير. فلا تفهم هذه الفئة الانتهازية منطق الأبواب المفتوحة والصدور المنشرحة والرحابة لتبقي الشباك أو حتى كوّة (طاقة) صغيرة أمام “الضالين” أو المعارضين اليائسين، أو حتى المختلفين لطعنة صدر أو وكزة كتف. 

من المفهوم في الإطار النظري أن النقد والرقابة والمحاسبة وتقديم التقارير وعقد الاجتماعات الدورية، ودورية المؤتمرات تُعَدُ من ضوابط العمل السياسي والتنظيمي الداخلي في أي تنظيم سياسي، ولكن يجادلك المعارضون، أو حاليًا المفصولون أو المهمشون أوالمنبوذون، أوالخارجون بإرادتهم بالقول الصاعق: ومتى كان التنظيم يسير في بحر بلا أمواج؟ أو متى كانت الواجبات بمستوى الحقوق؟ أو متى كانت الحياة التنظيمية تخضع للآليات التنظيمية الصحيحة من تخطيط وتواصل واتصالات ومؤتمرات واجتماعات ومتابعة دؤوبة فعالة؟ لتقول أنك تمتلك حق إيقاع العقوبة وأنت الأولى بها؟

لو عدنا قليلًا للتاريخ الفتحوي العريق لوجدنا أن المخططات ضد شخص الأخ الرمز ياسر عرفات من خارج الحركة كانت كثيرة فتعرض لعديد محاولات الاغتيال من الأنظمة المختلفة وأتباعها، ومن الصهاينة حتى فتكوا به فمات كما أراد شهيدًا رحمه الله ورحمنا وإياه.

ومما يعلمه الفتحويون أن المعارضة (أو المختلفون بالرأي) داخل فتح كانت ذات رأس مرفوع في إطار اللجنة المركزية ذاتها، وعلى طاولتها، ولكنها تلتزم بقيم المصداقية والودّ حتى في أصعب حالات الاختلاف.

(7)    عرفات المتسامح

داخل حركة فتح نفسها تعرّض عدد من أعضاء اللجنة المركزية للمحاور أو التيارات فيما كان مُسمّاهُ “الأبوات-جمع أبو” أي جماعة أبوفلان وأبوعلان، أو بوضوح جماعة أبوإياد مقابل جماعة أبوعمار، أو جماعة أبوجهاد بشكل رئيس ما لم تخرج فيه هذه الجماعات أو المحاور أوالاجتهادات غالبًا عن الدستور غير المكتوب باحترام الحد الفاصل بين الخروج المذموم وبين الالتزام المطلوب. ومع ذلك تعرض الراحل الخالد ياسر عرفات لمحاولات تنحية من قبل مجايلييه في البدايات، أوزملائه اللاحقين، ولكنه والحركة تجاوزوها بصعوبة نعم، ولكن دون آثار جانبية صعبة.

في الانطلاقة كان لياسر عرفات المكلّف بتنفيذ الانطلاقة أن فشل في المرة الأولى فتم إقصاؤه وتجميده، ولكنه عاد وأنجز الانطلاقة بقوة التي أعادت فلسطين المنسيّة على خريطة العالم عام 1965 فنصّبه زملاؤه باللجنة المركزية المبهورين بإنجازه المستحق القائد العام لقوات العاصفة (بعد العام 1968 أصبح الناطق الرسمي باسم الحركة عامة)، ورغم ذلك ومع تصاعد الخلافات اصطفت اللجنة المركزية أربعة مقابل 9 وخرج الأربعة معًا بكل سهولة ويُسر دون ضجيج، وظلّت العلاقة بينهم وديّة، إلا ما ندر.

أقرب المقربين لياسر عرفات من أعضاء اللجنة المركزية كان كثير الحنق على أبو عمار مايراه البعض (جماعته أساسًا) موقفًا محقًا ولا يراه الآخرون كذلك استنادًا لمواقف وقرارات، الى الدرجة التي فكر فيها باستبداله (تنحيته) من تزعّم اللجنة المركزية، وكادت الأمور تتفاقم لولا تدخل الموضوعيين بالحركة الذين يكنّون المحبة للطرفين لتتحول قضية الإقصاء المنويّة الى مجرد خلاف بسيط يتم فيه تجاوزالأمر، وتهدأ العاصفة، وتسير الثورة بقدمين ثابتين.

انشق الطلاب على بعضهم البعض في بيروت في السبعينيات من القرن العشرين وخرجوا بقائمتين للجنة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين فما كان من القيادة المركزية الا أن استوعبتهم بدلًا من أن تفصل جزء وتبقي على الآخر، ولولا ذلك لما رأينا وجوههم اليوم بيننا في الصفوف الأولى في حركة فتح والثورة الفلسطينية.

(8) أبومازن والباب المفتوح

في الانتخابات التشريعية الثانية عام 2006 في فلسطين واجهت الحركة قائمتين متنافستين كل منها تفترض أنها تمثل حركة فتح، ولا بد أن معادلة السلطة أو السيطرة والنفوذ وخلافات المواقع والقوى واختلاف التجارب والأدوار قد لعبت دورًا كبيرًا في مقابل عقلية النضالية الجامعة فكاد الافتراق أن يتحقق بانشقاق كبير لولا حكمة القيادة التي آثرت روح النظام، وتآلفت فيما بينها على حساب الكثير من الأقوال المحقّة، وقامت بتجميد من استحق التجميد وليس فصله بمعنى أنها أبقت الباب مفتوحًا. (تم تصحيحي أنه تم فصل من نزلوا على الدوائر وتقديري كان يجب أن يجمدوا).

فترة وجودي داخل المجلس الثوري لم أرى من الأخ محمود عباس (أبومازن) أن حنقَ أوفتكَ بأي عضو خالفه بالرأي المنضبط، حتى لوكان كلامه ضد الموقف السياسي قاسيًا، فلماذا كل الاتهام دومًا من البعض يتم توجيهه لأشخاص بعينهم باللجنة المركزية؟

وفي الحقيقة أن ذات النظام أقصد نظام العمل أو الإدارة ونظام الاجتماعات أو حل المشاكل أواتخاذ القرار في فتح وفي اللجنة قد عفا عليه الزمن، وهو الأولى بالحاجة الى المراجعة العميقة أو التغيير، فالمرحلة تستدعي اختلاف الوسائل كثيرًا.

عود على بدء، وربطًا للماضي بالحاضر فإن الحركة تحت ضغط الاحتلال الصهيوني داخل فلسطين وبين يديه لابد تخضع بعدد من كوادرها بالوطن بوعي، أو بدون وعي غالبًا، للدعاية الصهيونية التي سيطرت اليوم على الكثير من أجهزة الإعلام وعلى الشابكة (انترنت) حيث جنّدت الآلاف الذين لاهمّ لهم الا التزييف والفبركة والكذب والتشويه والتشهير المهدّف للحركة وقياداتها في أعين الناس، ولتسميم الأجواء بين التيار اليميني والتيار اليساري -إن جازت التسمية اليوم- أو بين التيار العام، والمعارضة القليلة الداخلية والمتزنة داخل الإطار، أو حتى تلك التي (تتحركش) خارجه.

كنا قد كتبنا في السياق التعبوي والتوصيفي لفكر حركة فتح، وقلنا: أن فتح هي حركة بلون التراب تجمع ولاتفرق، وتقبل التعددية فلا تقدس الأشخاص ولا تقصي المختلفين ..

لذا فإن واجب فهم الاختلافات داخل الإطار التنظيمي يستلزم تحقيق النظام الداخلي (القانون الحاكم وليس الاشخاص) والبرنامج السياسي مع تحكيم القيادة الإنسانية وتوفير المناخ الداعم للعمل الوثاب، الذي يوجب على المسؤول القيام بواجباته أولًا قبل أن يتخذ المسار الصعب. فلا محاسبة دون تخطيط ومتابعة دؤوبة ولا محاسبة والأطر لا تعرف ما المتوجب عليها فعله، وكيف لك أن تغلق الأبواب وتفترض أن التنظيم سيظل حيًا يتنفس؟

إن عدم القدرة على فتح الأبواب أو حتى النوافذ (الطاقات) داخل الإطار بقواعده سيجعل من الرأي المختلف لا يرى ذاته إلا خارج الباب فيتجلّى، فتخسر الحركة كما يخسر الخارجون معًا، ولا يكسب إلا الانتهازيون ذوي العقلية المصلحية، وبالتالي تخسر القضية الفلسطينية بخُسران العمود الفقري الذي عبر قناته مازلنا نعمل لله سبحانه وتعالى، ومن أجل فلسطين.

(9)المتزلّف يركب في الدرجة الأولى

في إطار الحوار والحديث عن المعارضة في حركة فتح، تجد الانتهازي المتسلق على أكتاف الآخرين، وتجد ذو العقلية الوظيفية الرتيبة المصلحية، وتجد الرسالي المناضل العقلية مما ذكرناه سابقًا، ولكنك أيضًا ترى بوضوح شخصية المتزلف مما سنتعرض لها هنا عبر أنموذج حيّ

كان يتجول ويبني العلاقات بشخصيته المرحة المبتسمة دومًا ويحاول جاهدًا أن ينسج عديد الصداقات المهدّفة، وعبر تقديم الخدمات مهما كانت، وبالأخص مع ذوي المواقع والمناصب من مسؤوليِهِ وسواهم، فهو باجتماعيته الفاقعة الموصوفة، وقدرته على أن يُسمعك من الثناء ما تستحقه ولا تستحقه يلقَى هوىً لدى الكثيرين ممن ذاتهم تتعملق أو ذاتهم تضطرب بحب أوحد لا ثاني له أي حُب الذات.

لم يكتفِ بالمرور على المكاتب والمؤسسات، والبروز باللقاءات العامة وتلك الفضائية يُلقي بالمديح شمالًا ويمينًا وخاصة لأصحاب القرار المتفرد… حتى نال بغيته.

ماذا كان يريد هذا المتزلّف أكثر من أن يكون مقربًا محبوبًا من ذاك المدير أو المسؤول ثم الرئيس، رئيس مجلس الإدارة المتربع على عرش المؤسسة؟ وهو ماكان ولكنه لم يكتفِ بالقُرب الذي أزاح من أمامه عديد الشخصيات التي تسبِقه علمًا وفهمًا وأدبا وإخلاصًا، فالحفر مستمر.

 لسانُه الرطبُ بالثناء الممجّ والمدح المفرط والتغزل المتكرر أسقطَ الكثيرين في حضن انصياعه والتذلل فكان هو المقرّب والمدلّل وكان الأثير المخلص.

في علم الإدارة وعلم المنظمة (التنظيم) عندما يجتمع حول القائد المستبد الأنصار تصبح المنافسة حامية ومشتدة، ومرتبطة فقط بمدى القرب من القائد أو المدير الذي تمتد علاقاته مع كل شخص والآخر بشكل أفقي، وبمنهج تقديم الخدمات مهما كانت.

وفي إطار نظرة الرضا أو نظرة الغضب للمتكبّر والمستبدّ النزِق يظهر المحظيون ويظهر المنبوذون، فالأوائل يركبون الدرجة الأولى والأواخر لايركبون أصلًا، أو يُحملون مع الحقائب! وربما يُقال له “حظًا أوفر”.

المحظيون مثل صاحبنا لا همّ لهم إلا الحفر لأولئك الذين نُبِذوا بسببهم غالبًا حتى يزولوا عن ساحة الوغى (وهي قلب أو مصالح الفرد الواحد، ومصالحهم) و”يجاهد” المنبوذون للعودة ثانية لرِبقة المحظوظين والركوب في الدرجة الأولى، فلا تجد بين هؤلاء وأولئك الا صراع أو حرب داحس والغبراء، والمدير أوالسلطان أو الزعيم في فرجٍ من همومِه الكثيرة حيث يتحسس رأسه يوميًا، مادام الطرفان يتنافسان على القُرب من جلال طلعته البهية، ولو بكلمة أو نظرة أو لمسة كتف، أو طرفة أو إشارة أصبع.

قال الإمام الشافعي رحمه الله : ما رفعت من أحد فوق منزلته، الا وضع مني بمقدار ما رفعت منه. وهذا القول الجميل لا قيمة له عند المتزلفين والمتماجنين ومشغليهم بتاتًا وإنما هو كما يرون من أوهام الصغار وغير القادرين على الوصول “للأعلى”!

كان ابن هانئ الأندلسي زعيم المتزلّفين على مر الأزمان فلقد غلا (تمادى وتطرف) في ممدوحه غلواً قبيحاً ممجوجاً حين قال في قصيدة مطلعها:

ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ *** فاحكم فأنت الواحد القهارُ

و كأنما أنت النبي محمد *** و كأنما أنصارك الأنصار

أنت الذي كانت تبشرنا به *** في كتبها الأحبار و الأخبار

يذكر الحبيب سعداوي في مقالته حول ما أسماه لعنة التزلف أن: التزلف «بالإنجليزية Ingratiation»: هو أسلوب نفسي يحاول به الفرد (المتزلِف) التأثير والتلاعب أو السيطرة على الآخر (المستهدَف)، وذلك من خلال أن يُصبح الشخص أكثر جاذبية أو محبة من قبل الشخص المستهدَف. وقد صاغ هذا المصطلح عالم النفس الاجتماعي “إدوارد إلسورث جونز”. وقال أنه يمكن تحقيق هذه النتيجة للمتزلِف بالقرب والمحبة باستخدام عدة طرق:

المجاملة الزائدة عن الحدّ، بل والمكشوفة تجاه الشخص المستهدَف.

توافُق الرأي والذي يحدث عندما يتبنى المتزلف ويؤكد مواقف ومعتقدات الفرد المستهدَف مهما كانت.

العرض الذاتي هو أسلوب يؤكد المتزلّف من خلاله على سماته الشخصية الخاصة من أجل أن ينظر له الشخص المستهدف (المدير، المسؤول، الزعيم…) نظرة إيجابية.

السلوكيات الخاصة بالمواقف تتضمن معرفة المتزلف بمعلومات شخصية عن الشخص المستهدَف، ثم استخدام هذه المعلومات للحصول على موافقته وقبوله وحظوته.

القيام بالخدمات أو المعروف وهذه الوسيلة تبدو مفيدة ومراعية للفرد المستهدف. وهذا قد يولّد أيضا مشاعر المعاملة بالمثل بين المتزلف والشخص المستهدف.

التعبير عن الفكاهة وهو أي حدث مشترك بين المتزلف والفرد المستهدف، يحاول فيه المتزلف أن يكون مسليًّا للشخص المستهدف (أراجوز أو مهرج….).

إن المتملق أو المتزلف أو المداهِن شخصٌ متسلقٌ بالتأكيد يبتغي الوصول لما يفترض ذاته تستحقها ولو بأنذل وأقذر الوسائل، حتى لو حقّر نفسه وشتمها وأذلها في سبيل نيل الغرض، ولعلك من هؤلاء قد وجدت حولك في الشركة أو المؤسسة أو الحارة أوالبلد….الخ، وإن لم تصادف أي منهم فاحمد المولى عز وجلّ فأنت في نعيم مقيم.

قال لي خليل وهو من الأصدقاء أنه عرف في حياته شخصًا يُعدّ نموذجًا بهذ الأمر لا مثيل له أتقن فن التملّق والتزلف رغم أنه لم يحصل على شهادات عليا، فصعد من قعر السلم حتى أصبح المُدافع والمحامي الأول عن رئيس الدائرة التي يعمل فيها.

قال لي: كان لا يكلّ ولا يملّ عن كيل المدائح كصاحبنا المذكور إبن هانيء الاندلسي، ويدبّج لمديره الرسائل ويضع بنود القوانين واللوائح ومسودّات القرارات ليوقعها المدير المتفرد بذاته، الموهوم بصوابيته المطلقة…. فكانا كما يقول المثل العربي (وافق شنّ طبقة).

في القرارات التي اتخذتها الإدارة والمدير المختال بذاته وإن لم يظهر اسم المتزلف فيها أحيانًا فإن كل العاملين والزملاء كانوا يعرفون أن أصابع هذا المتزلف الجاهل قد طالت كل شيء سواء فيما يتقنه على قلّته، وما لا يتقنه على كثرته.

قلت له: وهل وصل لما يريد؟

فقال خليل: نعم. ولو مؤقتًا وهذا المؤقت للأسف دام عدة سنوات شِداد إلا أن قضاء ربك أن يفضح ويكشف هذه الشخصيات؟

قلت له:وماذا حصل؟

قال خليل: أنه ما أن تغيّر المدير وجاء آخر، وإذ بالمتزلف يعود ليكرّرنفس أسلوبه المعتاد مع المديرالجديد.

قلت: وكيف له أن يتخلى عنه!

قال: صحيح، ولكن، لحسن حظ الموظفين أن الآثار السلبية لمسار الشركة التي أدت لإقالة المديرالسابق وانعكست على العمل تم اكتشاف الشخص الذي كان وراءها. 

قلت: محامي الشيطان؟

قال نعم: ومن غيره؟

قلت: وماذا حصل؟

قال: ما لاتريد سماعه!

قلت له ضاحكًا: خذ لك من التاريخ عن أحد كبار المتزلفين والمتسلقين الذي ركب الدرجة الأولى، أو كما كانوا يسمون بعضهم بالمتماجنين، والمدعو أبودلامة، ماذا حصل معه في أحد الحوادث: “لم يكن أبو دلامة يتحرّج من ذم نفسه إذا وقع في مأزق يضطره إلى ذلك، فقد دخل مرة على الخليفة المهدي وعنده أكابر رجال الدولة والأسرة العباسية من بني هاشم، فقال له المهدي “أنا أعطي الله عهدا لئن لم تَهجُ واحدًا ممّن في البيت لأقطعنّ لسانك، فنظر إليه القوم وغمزه كلُّ واحد منهم بأنّ عليّ رضاك، قال أبو دلامة فعلمتُ أنّي قد وقعتُ (تورطت)، وأنها عزمة من عزماته لا بدّ منها، فلم أرَ أحدًا أحقّ بالهجاء مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجائي نفسي، فقلتُ:

ألا أبلِغْ لديك أبا دُلامه *** فلستَ من الكِرامِ ولا كرامه

جمعتَ دمامةً وجمعتَ لؤمًا *** كذاك اللؤمُ تتبعه الدمامة

فإن تكُ قد أصبتَ نعيم دنيا *** فلا تفرح فقد دَنَتِ القيامة!

فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلّا أجازه (أعطاه جائزة)”.

(10) شبه فلسطين وكي لا يتغير الشبه.

في الفهم التنظيمي داخل الإطار الحركي وفكرة الإطار مرتبطة بالهيكل الهرمي عامة الذي قد يبدأ بالخلية من 5 أعضاء صعودًا الى الشعبة فالمنطقة ثم الاقليم ممثلًا للفرع الحركي بالدولة، أوالفرع الحركي في محافظة أو نطاق جغرافي واسع-جزء من محافظة في فلسطين.

فكرة التسلسل التنظيمي-الإداري هذه وجدت لدى البعض الجديد على الحركة عدم قبول بمعنى أنه رأى الأفضل بالتوسيع للإطار على التضييق، الى الدرجة –برأينا-التي يتم فيها افتقاد الفارق بين عضو الحركة والنصير مع المواطن العادي، وبين الفهمين بون شاسع أحدهما يحبذ الديمقراطية الواسعة على الضبط المرتبط بمنطق تلازم الديمقراطية مع المركزية.

لست ممّن يقرّ توسيع الأُطر بتاتًا في ظل حركة تحررية وطنية، خاصة ومازال طموح وهدف الاستقلال الوطني لم يتحقق حتى الآن. مما يعني أن البناء يستلزم أعدادًا محدودة منظمة مؤثرة بالجماهير، ويستلزم إعدادًا وجهدًا تنمويا بشريًا مترافقًا مع الممارسة وهي الأصل بالحركة. وبعد الاستقلال قد يتغير النظام/القانون وحينها لكل حادث حديث.

حركة فتح حركة وطنية تحررية وحدوية صعدّت الكيانية الفلسطينية الى مرحلة لم يعد بإمكان أي إنسان بالعالم أن يتجاوزها بعد أن كادت شمسها تغرب، وهذا فضل لا ينكره إلا متكبرأومتغطرس. وحركة فتح وياسر عرفات والثورة الفلسطينية هي التي جعلت “شخصية” الشعب الفلسطيني صنو النضال والرباط وأنموذج الحرية بالعالم كافة.

ولأن حركة فتح كذلك، فهي تستوعب كل الفئات بمعنى أن فكرها الوطني الرحب يستوعب الفكرانيات (الأيديولوجيات) والعقائد، ففلسطين هي الغراء (اللاصق) وفلسطين هي بوتقة الصهر ضمن معادلة التضحية والإيمان الحتمي بالنصر.

فتح التي هي فكرة صالحة حتى الآن اخترقتها كثير التجارب والأفكارالرثّة وتلك الملوّثة، والشخصيات المهترئة والانتهازية على مسارها الطويل، فأحدثت ثقافة هجينة، ثم ثقافة غريبة لدى البعض الذي بدأ يتحلل من التزاماته الوطنية القومية والنضالية في مقابل المصلحية الطاغية، وهو صراع داخل الحركة تفاقم مع الانتقال للسلطة الوطنية الفلسطينية مالا ننكره، فالراكضون وراء الكرسي كثيرٌ، والسائرون خلف هدف التحرير هم المرابطون.

فتح بخطوطها الفكرانية (ولوأنها اليوم في شدة الضعف) أو تعددية الاجتهادات أو الآراء السياسية داخلها أو بما يسميه البعض الموافقون مقابل المعارضون هي فتح التي نريد لها الاستدامة في ظل بقاء الطرفين يتصارعان في داخل النطاق بما يعني تغليب النظام والقوانين على الاجتهادات اللانظامية.

يقول الشهيد والمفكر الكبير هاني الحسن أن “القيادة التي تُخضع كوادرها وأعضائها للسيطرة عبرسلطان الإذعان أوالشراء بالمال أوالمناصب تخلق عبيدًا لا يقاتلون، وفي أسوأ الأحوال كوادر مسلوبي الإرادة يتحولون مع الزمن إما الى منافقين أو الى متآمرين. والكادر الفتحوي لايجوز أن يكون هذا اوذاك”.

نعم لا يجوز، لإن المرجعية دومًا هي الحاكم للإطار (المرجعية يمثلها: النظام الداخلي والبرنامج السياسي، وقرارات المؤتمرات، وإلزامية القرارات المتخذة اصولًا…)، ولا يجوز الإضطهاد من القوي بالحركة لمن يقعون فريسة أخطائهم، دون إتاحة المساحات المطلوبة لهم تلك المقرّة في النظام الداخلي من شكليات هامة وصولًا للقرار بدرجاته المختلفة، بل وإبقاء باب التجاوز عما سلف مفتوحًا من خلال تفعيل جهاز الرقابة الحركية والمحكمة الحركية، وإلا تحول التنظيم لمزرعة أبقار أو مدرسة للعبيد فقط.

إن حركة فتح تظل بنت فلسطين وأم فلسطين وشبه فلسطين (كما قال الشيخ هاني فحص رحمه الله) بتنوعها وتعدديتها ووحدويتها ووطنيتها وشموليتها ولا نرغب لهذه الشبَه أن يتحول لفجوة كبيرة ابدًا بين الحركة والشعب والكادروالأمة.

الأفكار الأصيلة والقيم الأصيلة  والأهداف الثابتة بالتحرير مازلت في حركة فتح، فهي قيم الأمة وهذا الشعب وقيم فلسطين الأرض الطيبة من رأس الناقورة الى أم الرشراش، لذا هي أي الحركة باعتقادنا مازالت القناة الصالحة بفكرها ووطنيتها ووحدويتها قناة التحرير الأبرز، لاسيما والاستقلالية فيها بنيت عبر السنوات إلى جانب المسار النضالي التعددي الداخلي والخارجي، ومن هنا يصبح الحفاظ عليها واجب وطني وقومي وإسلامي وإنساني.


[1]  من المفكرين من يفترض أنهما مصطلح واحد بينما آخرون يرون الخلاف التصادم والتعارض والتنازع أوبقول آخر مطلق المغايرة، فيما يرون الاختلاف في التنوع والتعدد وتلاقح الأفكار والآراء بمعنى ان الاول مذموم والثاني محمود، وسنستخدمهما هنا بذات المعنى أي الاختلاف الديمقراطي على مستوياته النظامية.

[2]  للنظر في كتاب المتساقطون على طريق الدعوة للكاتب الإسلامي فتحي يكن، وفي كتاب الأخ منير شفيق عن تجربته بكتابه: من جمر الى جمر، حيث النقد والمعارضة والمآلات في داخل الحزب الشيوعي وفي داخل فتح. وكتاب الأخ ماجد كيالي عن المعارضة اليسارية في فتح المعنون: فتح 50 عاماً ؛ قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية.

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى