حياتي ومراحل التغيير الخمسة

1-الهندسة والنافذة الخلفية!
في بعض المراحل وجدت أنني أسير على درب لم أرسمه بنفسي فوصلت فيه الى مداه، وحاولت في داخل مسار الرحلة أو المرحلة أن أخالط المسار بتغيير يعبر عن حقيقة ذاتي. فلقد درست الهندسة المدنية وإن كانت قد أعجبتني هذه الدراسة لاحقًا، فهي لم تكن خياري الأول إنما كان الطبيب الجراح الذي يقوم بالتشريح هدفي الأسبق له.
والآن عندما أفكر بهذا الأمر وأنا في الستين من العمر لا أدرى أكنت نجحت لو أصبحت طبيبًا جراحًا؟ أم كان يتوجب بالأصل أن أدرس لأكون نجارًا فأنا أحب الخشب ومنحوتاته وصنعة الفن فيه، أم كان يجب أن أدرس العلوم السياسية والتنظيمية والفكرية منذ البداية؟ وهي شغفي اللاحق.
ولما سارت الأمور باتجاه الهندسة المدنية وجدت فيها من الزخم العقلاني والتفكير العلمي التجريبي ما جعل من “فكرة التشريح المرتبطة بأمنية أو حلم الطبيب الجراح” في عقلي تستند لقوانين أظنني برعت بها في سياق التغييرالحاصل أو الكامن أي في بطن المسار الأصلي، وبالحقيقة الى جواره.
أي كان المسار الأصلي هو دراسة الهندسة لأصبح مهندسًا، وأنا في الحقيقة أثناء ذلك أقوم بانشاء نافذة خلفية أو مسارًا جانبيًا باتجاه الفكر السياسي والتحليل أو”التشريح” الانساني النفسي، والمنطق والعلوم الاجتماعية بما كثفته من قراءات متعددة وعميقة في هذه الأمور، لأنني شُغلت بالعمل الوطني والعقلي والعمل الجماهيري الطلابي والتنظيمي الثوري فكان هذا المسار الجانبي يتصارع بوضوح مع المسار المهني الهندسي الى أن تغلب عليه.
فكانت النقلة الأولى أو التغيير الأول في حياتي هي الانتقال من مهندس الى مناضل سياسي.
كانت الأمور شائكة لأن تحقيق التوازن ضمن المرجعية الثابتة، وفي مرحلة الشباب تحتاج لصلابة ومتانة وعمق إيمان لاسيما وتقاتل الأفكار القومية في مواجهة الشيوعية والاسلاموية وكل منها تقدم ميشيل عفلق أو زكي الأرسوزي أوأنطون سعادة أوأكرم الحوراني، أوبالاتجاه المعاكس حسن البنا، أوماركس وأنجلز ولينين كرُسل الحضارة أو التقدم ضمن ألوان مختلفة متحاربة لا تتآلف.
في خضم الدراسة الجامعية كانت تتجاور بين يدي وفي قراءاتي الكثيرة الكتب الدراسية العلمية مع الكتب الفكرية والسياسية مع ذات الدراسة والنضال الطلابي اليومي، بحيث تجد علي شريعتي يناقش محمد عمارة في عقلي، وتجد كارل ماركس في حوار مطول مع سيد قطب، وتجد خالد الحسن في صراع أزمة مع تقي الدين النبهاني لآخذ من صراعهما الأزموي مفاهيم جديدة، وتجد محمد باقر الصدر يتجلى فوق عرش لينين وستالين.
تجد في ذات المسار الجانبي وعبر النافذة الخلفية مجموعة من المفكرين والسياسيين والعلماء يتناقشون(في عقلي) بعيدًا عن كتب الهندسة، فلا صلة لهم بهذا العلم الذي أبدع فيه أجدادنا القدماء ثم ألقوه لاحقًا على قارعة القضايا.
كان من الطبيعي أن أتواصل مع كل معارض الكتاب لأنتقي واشتري وأقرأ بنهم، وكان من الطبيعي أن أحمل كتاب الدولة الاسلامية للخميني الى جانب كتاب معالم بالطريق لسيد قطب ومع كتاب تيارات الفكر الإسلامي لمحمد عمارة، وأيضًا الى جانب مقتطفات من أقوال الرئيس ما وتسي تونغ أو ما سمي الكتاب الاحمر، وفي نفس الحمولة من الكتب أعتقد أنني هضمت أدبيات حركة فتح كلها من تلك الإدارية والجلسات الحركية ال12 وإن كان يشتم فيها رائحة الاشتراكية، كما الحال مع تجارب الشعوب الثورية والقضايا القيمية والاخلاقية الهامة في قواعد المسلكية الثورية بالاتجاهات الخمسة.
عندما كان النقاش في الجامعة يبدأ كانت الأعلام ترفع ما بين الاخضر والاحمر والأسود أي ما بين القوميين والشيوعيين والاسلامويين، وكان الفكر الوسطي المتزن هو ما لربما اكتسبته من متانة المرجعية الدينية والنضالية المستمدة من والدي محمود علي أبوبكر ابن حيفا المناضل الشرس رحمه الله، ولاحقًا من سيل التجارب والقراءات التي كات مرجعيتها بلا شك هي الدينية الممزوجة بالوطنية.
ما حصل هنا هو أن التغيير كان كامنًا، ولربما هو الحقيقة الأصيلة حينها المختفية تحت السطح، وكان هذا التغيير يسير حثيثًا الى جانب المسار الأصلي، وما حصل هنا أنني بإرادة مني اخترت النقلة أو الانعطافة بعيدًا عن الهندسة إثر تخرجي، فحققت التغيير الذاتي، مع تحقيقي للاستفادة الكاملة من المسار الأصلي وذاك الجانبي ذو النافذة المفتوحة. وسنواصل.
2-اكتشاف رداء جديد
كان التغيير الأول في شخصيتي وحياتي هو الانتقال من مجال الهندسة المدنية الى المسار النضالي في إطار الحركة الثورية، ولم يكن ذلك بالقرار السهل.
لم يكن قرارًا سهلًا أبدًا فأنت تترك علمًا درسته لسنوات خمس، وعمل ميداني بمجال الهندسة قصير لم يتعدى العامين فقط، لتضع كل ذلك خلف ظهرك وما كان يعنيه من ثروة وغني يعتمد على البراعة في العمل وعلى السوق وترقي المهندس كلما زادت سنوات خبرته.
كنت أعلم نتائج مثل ذلك القرار، ولكن المسار الجانبي كان قد تغلب على المسار الرئيسي بإرادتي -ثم أصبح هو الرئيسي- الذي سخّرت له 3 مقومات رئيسة هامة:
الأولى الايمان والقناعة التامة بضرورة أن تكون منكم أمة تدعو، وتمارس عملية التحريض والتثقيف والبناء والحث والعطاء في سياق العملية النضالية وبالمنطق الذي يأخذ بالتفرغ الكامل.
اما ثانيًا فلقد مارست العمل النضالي الطلابي داخل الجامعة وخارجها ومن خلال السفرات المتعددة لمؤتمرات الشبيبة في عديد البلدان، وفي لقاء القيادات الطلابية والسياسية في المقر العام في تونس
أما ثالثًا فلقد كان للقراءة العميقة والمكثفة وفي اتجاهات شتى ذات صلة بالمسار أهمية الدعم بتقوية هذا المسار مما جعل من تبنيه لا بد منه، أي أنني بإرادتي كثفت في ذاتي عوامل الانتقال والانعطافة الجديدة الثلاثة واضعًا الهدف بوضوح أن أكون في المحيط النضالي المتفرغ كليًا لهذا العمل.
لم يكن الانتقال من مهنة الهندسة الى (مهنة) العمل الوطني ضمن الإطار الحركي سهلًا على المحيطين بي والفخر بالمهندس أوقع وأكثر تأثيرًا، ولكن كان المسار قد أنجز ولا بد من القرار، والقرار صدر ولابد من الانتقال.
إن خطوات التغيير أو الانتقال خالطها عديد الصراعات المركّبة ما بين الشخصي والعائلي والمحيط والتداخلات الكثيرة خاصة في مرحلة بداية الانطلاق.
التغيير الخارج عن الإرادة كان في الاستقرار بعيدًا عن فلسطين لسبب الاحتلال الصهيوني لباقي الوطن عام 1967 فكانت الكويت، ثم كان التغيير للسبب القهري اللاحق هو الغزو العراقي للكويت عام 1990 وما خالطه الكثير الذي ممكن أن نقوله لاحقًا.
ولكن سنركز هنا على مركب التغيير، وهو أصل مقالنا، إذ أن هذا المتغير الداهم كان يضعني بين خيار البقاء في تلك البلاد وتقلّص مفعول العمل الوطني الى الحد الأدني وهو ما كان، أوالخروج لفضاء العمل الوطني القادم من مقر القيادة في تونس. وكان هذا هو الهدف في إطار هذه النقلة الجديدة أو القفزة.
مما لا شك فيه أن انتقال العائلة الكبرى عائلة والدي، وعائلة أهل زوجتي، وعدد من الأخوة الأعزاء المقربين الى الخارج خارج الكويت، كانت من الدوافع أيضًا للخروج فكان ذلك، ومن عمان ثم الى تونس.
لم تكن هذه لتمثل نقلة في الشخصية، وإنما في مسار النضال ومكانه فقط، استطيع القول أن التغيير الثاني قد جاء في أتون النظر في طبيعة الفعل النضالي في تونس واستنادًا للعوامل الثلاثة ذاتها التي انتقلت بي من الهندسة الى النضالي فكان ضمن النضالي من المهم أن يختط المرء مسارًا ما، يخصّه ويميزه ويعلن عن وجوده أو مكانته.
طبيعة الفضاء السياسي والتنظيمي في تونس لم تكن تعجبني كثيرًا، وطبيعة الأعمال التي يقوم بها الأكثرية لم تكن تتوافق مع الترتيب الذي أردته لشخصيتي، فخضتُ ثانية الصراع بين الفعل المتواصل في تونس المركّب من اجتماعات وقرارات وسفرات ولقاءات ومهرجانات…الخ وبين أن اختط مسارًا آخر جانبيًا، وهو ما كان.
ركّزت في إطار المسار الكفاحي على المسار التثقيفي السياسي الفكري، وقررت أن اتجه بذات الوقت نحو الأدب فكانت المجموعة القصصية الأولى إنطلاقًا من تونس التي قدم لها طيب الذكر الكاتب المبدع العراقي عبدالرحمن مجيد الربيعي رحمه الله وهو الذي كان يخوض مشواره في إطار الثورة من منفاه في تونس. فكان أن دققتُ بوابته الواسعة، وأقرّني على المسار القصصي الأدبي بعد قراءة للمجموعة القصصية الأولى المسماة: لم لا! رحمه الله، فلقد عاد في أواخر عمره من تونس الى مدينة الناصرية في العراق مصابًا بمرض الزهايمر ليتوفي غير مدرك أنه عاد الى مسقط رأسه العظيم.
النقلة أو الانعطافة في شخصيتي هنا دخلت عليها طبيعة الحوارات والنقاشات، ومن مضمون السفرات والتي الى النقاط الثلاث آنفة الذكر أسست لمسار الكتابة الابداعية بعد أن كانت تجاربي الأولى بالكويت قد سبقت تونس بكثير، ولكن في سياق المحاضرات والدراسات والمقالات المختلفة.
ترافقت هذه النقلة باتخاذ مسار التثقيف والفكر والتدريب واعداد الكوادر منهجًا، الى جانب الكتابة أيضًا بالسياق الأدبي القصصي. وأن يكون ذلك معًا لم يكن ليعجب الاخ أبوماهر غنيم مسؤول التعبئة والتنظيم في فتح الذي رأى ضرورة التركيز على اتجاه واحد مما سبق، ما لم أفعله حيث أظنني مازجت بين كل المكونات أي العلمية المستمدة من طبيعة الدراسة الاولى أي الهندسة، ثم مع الخيار الذي يربط الدراسات والبحث والإدارة والتدريب مع المنشورات الأدبية القصصية.
في قلب المسار أو الإطار النضالي ظهر لي أن الرداء الذي يحتويني هو رداء النضال السياسي ولكن ضمن الفكر السياسي والفكري التثقيفي لاسيما أن عدد –وإن كان قليل-من المفكرين الفلسطينيين والعرب كان قد ترك بصمته الواضحة على هذا المسار ومن أبرزهم خالد الحسن في الإطار الفلسطيني وصلاح خلف وثلة من المفكرين العرب. إذن كانت النقلة في ذات المسار هذه المرة أكثر سلاسة فهي بمثابة اكتشاف رداء جديد فما كان الا أن لبسته.
3-هل تراني فهمت المدرسة الانسانية؟
في سياق التغيير في الحياة قد تملك الزمام أحيانًا أو في مراحل معينة وتغير المسار أو تنشيء مسارًا موازيًا، وفي كثير من الأحيان يكون التغيير قهريًا جبريًا نتيجة قوى خارجية مثل الحرب والهجرة ….الخ. لكنه في جميع الأحوال فإنك قد تجد المفتاح أو النافذة التي منها تستطيع تحقيق التغيير الذي تبتغيه أو يتوافق مع أمنيتك، رغبتك ولاحقًا هدفك أو رؤيتك.
أعرف مجموعة من الحالات -لدى أخوة أصدقاء- التي عندما دهمتها القوى القاهرة غيّرت مسارها ربما مرغمة، أو بتأقلم مع المتغير الكبير لكن بانفتاح وتخير وإقدام . أو على غير ما تهوى فسكنت وخارت قوة التغيير لديها وتآلفت مع وضعها الجديد. ومنها من لم تستطع أن تنشيء نافذة أو مسارًا موازيًا ينفتح على ما تريده، أو لم تقدر أو لم ترد تحت ضغط المحيط اوضعف الشخصية أن تتغير.
بشكل عام دعني أقول إن وُجدت الرغبة ولكن الإرادة غير مفعلة وهي التي تجر مركبة الرغبة عبر الجسر للبناء الجديد، فإن التغيير لا يحصل.
صديقي بكلية الهندسة الأخ محمد أحد الذين استطاعوا أن يرسموا الطريق الجديد لحياتهم بعد أن أدت القوة الخارجية (حرب الخليج) الى تزعزع وضعه.
لقد قرر الخروج الكلي من المكان الذي أصابته القوة القاهرة-الحرب، لاسيما وأنه يحمل وثيقة سفر لأنه من أبناء قطاع غزة الميامين، فعمل كل جهده للانتقال الى دولة أجنبية فكانت كندا مكانه الجديد التي عمل جاهدًا ليحقق فيها الانعطافة والنقلة.
ودعني أقول أنه حقق انعطافته ضمن خطوات التغيير التي أراها في خمسة أي أنه
قيّم وضعه الحالي جيدًا، وبصدق مع الذات وبالنظر للمستقبل أولًا
وثانيًا قرر التغيير بلا هوادة فأشعل الإرادة وقام بنقل القرار من الدماغ الى الأرض.
وثالثًا حرك مجال القرار من العقل الى الأرض فبدأ بخطوة
ووصل الى رابعًا بفعل المثابرة اليومية والاستمرارية التي لا تكل ولا تمل
وخامسًا سخر كل موادره العقلية وعلاقاته ووقته ليعمل كل ما سبق بتناغم وتناسق والتزام…. وقد فعلها.
وكان لمحمد هذه التغيير جوهريًا ولكني لم أتابع تغييراته اللاحقة في شخصيته ذاتها، لتباعد الجغرافيا وضعف الاتصالات، الا أنه فعلها.
أعود لاتخاذ نفسي نموذجًا للتغيير، ودعني هنا أسرد 3 مواقف من عشرات تلك الفترة في تونس لربما كان لها الفضل الأول في هذا التغيير الجديد
قاطعني أحدهم في دورة تدريبية سياسية عقدتها في تونس، وشتمني الشخص فبلعت الشتيمة، ولم أرد لاسيما والقيادة حاضرة. الى أن جاء بعد نهاية الدورة ليقول أنه كان يعلن لي بشتيمته أنني لا آتي بجديد فهو يعلم مسبقًا كل ما سنقوله! وليقول معتذرًا أنه قد أخطأ، فلقد سمع ورأى ما لم يتوقعه من الجديد والكثير، لذا يطلب السماح عن الإساءة وعن إغلاق عقله.
وفي الموقف الثاني حين عقدنا دورة في ستوكهولم، وفي إطار حلقة النقاش عن حالة دراسية مشابهة لما حصل بالواقع (لم توفر السفارة حافلة أو سيارة للطلاب المشاركين بالدورة القادمين من خارج السويد، لنقلهم من المطار الى المدينة ما سبب حنقًا شديدًا)، وفي الحالة الدراسية الافتراضية (حلقة النقاش بالدورة) تجاوب المشاركون من الطلاب بأنهم استدلوا كيف يصلون المدينة من المطار بأنفسهم معتبرين ذلك تحدي، فتغلبوا على العقبة. بينما أصرّ آخر وبصلابة شديدة على إيقاع المسؤولية على السفارة، دون أن ينتقل أبدًا لايجاد الحل!
اما ثالث المواقف فلقد كان في الهند حيث عقدنا دورة تدريبية هامة هناك، قال لي فيها أحدهم عبارة لم أنسها حتى اليوم “أنني وجدت الآن هدف حياتي”! لقد وجد هدف حياته مما طرح بالدورة حيث الإضاءات الجديدة، يا الله ما للكلمة الجميلة والصادقة من تأثير حقيقي على الناس، مما كنا ومازلنا نقدمه في الكتابات والمقالات وكُتبنا، وفي الاجتماعات واللقاءات والدورات وعبر تقديم أنفسنا كنموذج، لعلنا نكونه.
في الانعطافة أو النقلة الثالثة التي حصلت لي كانت النقلة بطبيعة التفكير ضمن نفس المسار النضالي وفي سياق اعتناق مهمة التثقيف والتدريب، من الصلابة والشدة بالحكم على الآخرين الى الليونة النسبية أو الى محطة المدرسة الانسانية ومحاولة التفهم والتماس الأعذار للآخرين التي وضع جذورها في عقلي سابقًا حسن المطري مسؤولي التنظيمي الفذّ فترة الكويت.
أي أن التغيير قد جاء بطريقة النظر وطريقة التقييم للمواقف وللناس، لا سيما أن عديد الدورات التي عقدتها في أكثر من بلد انطلاقًا من تونس قد أسست لمثل هذا التغيير إضافة لعوامل أخرى من دعم واحتضان وجدته من البيئة أي من مكتب التعبئة والتنظيم برئيسه الكبيرأبوماهر غنيم، ودعم عدد من الأخوة ناهيك عن دور القراءات الأولى والجديدة في علم الإدارة وعلم التنظيم وعلم النفس وعلم الاجتماع…الخ، هذه المرة ما أضاف لما سبق الكثير وأسس لهذه النقلة الثالثة في مضمون وسلوك الشخصية وليس في مسار الحياة الفيزيائية أو طبيعة العمل. ونكمل.
4-الثائر والعقل الوظيفي والاحتلال
في النقلة الأولى خرجت من مجال الهندسة المدنية دخولًا في الإطار النضالي “الاحترافي-التفرغ”، وفي الثانية بحثت حتى مِلتُ الى ركن الثقافة والفكر ضمن المسار النضالي.
ثم أسَرَتني المدرسة الانسانية في القيادة والإدارة والاتصالات والتعامل والفكر التنظيمي في ثالث المتغيرات.
وهأنذا مع المتغير الرابع في الشخصية الذي دهمني تحت إطار الاحتلال الصهيوني الظاهر أوالخفي في كل تفاصيل حياتنا هنا في فلسطين بعد العودة الى الوطن متاخرًا عن ركب اوائل الداخلين عام 1996م.
لم يكن الوصول الى التغيير في طبيعة حياتي وشخصيتي منفصلًا عن مقدمات صعبة سبقت الدخول الى الوطن وارتبطت بمنظر السلام الصعب التحقيق، أو المصافحة المستحيلة بين رابين وأبوعمار، والتي كان لها ما لها من انعاكاسات في عقلي ونفسي من صراع فكري عميق لم أتبين تفاصيله الحقيقية الا بعد العودة للوطن.
إن مقدمات “اتفاق أوسلو” مما كان يعلمه الأخ أبوماهرغنيم عضو مركزية فتح ومفوض التنظيم فيها الذي كنت أعمل معه، كانت مقدمات صعبة وشبه مستحيلة مما كنت أقرأه بما يحولّه لي (تخصيصًا) مشتملًا بعض التفاصيل، فأحدقت بي وأحاطت، وجعلتي أسير صراع عميق سرعان ما تفاقم مع منظر المصافحة الشهير في حديقة البيت الأبيض.
أفكر اليوم بما سبق لأحلل حالتي بالقول أنه لربما أن الثابت المستقر كان أكثر راحة حتى لو لم يكن يحقق تقدمًا سياسيًا كبيرًا، أو في حياتي.
ولربما ألِفتُ تلك الحياة المستقرة الوسائل وردود الأفعال دون الانتقال الى جغرافيا جديدة ومرحلة جديدة في النظر والتفكير وهي مرحلة التأقلم الصعب بين الفكري العقدي والفكري الوطني مع المتغير السياسي الذي ارتبط بالنزول الى أرض الوطن. وحيث الاحتلال البغيض في كل مكان يدهمك بعنف ووحشية -عز نظيرها بالعالم- بالبيت والحارة وبالطريق وفي المنظرالمرعب للمستعمرات الغريبة عن الأرض، وفي قطرة الماء واللقمة وبذات الأنفاس التي يمنعها عنك متى ما يريد.
نعم، كان لعمق الأزمة الفكرية-النفسية أن طالني الأرق الشديد والقلق البالغ وصولًا لحالة اكتئاب شديدة لم استطع الخروج منها إلا في إطار العمل اللاحق عندما دخلت فلسطين عام 1996 وبما مكنني بشكل مؤقت من التحصل على البعض من هدأة النفس.
الا أن صراع الثابت والمتغير، والأساسي مع الثانوي، والجذري مع المؤقت أو السطحي، أومع ما نسميه الواقعية السياسية قد انفتح على مصراعيه وهنا احتاج الوضع للتقييم والمراجعة.
في تلك الفترة تنامى العمل، عملي في التوجيه السياسي والوطني مع الاخ عثمان أبوغربية عبر اللقاءات والاجتماعات والمعسكرات والندوات والنشرات والمجلات والدورات التي كان يقيمها التوجيه السياسي، أى اتجاه محاولة فهم المتغير الكبير، أي أن تكون في بطن الحوت وتتنفس رغم ذلك وإن بأنفاس لاهثة أو متقطعة.
ليس بالشيء السهل أبدًا.
ولربما من علامات الطمأنينة هو الثبات المرتكز على الإيمان العميق والراسخ بالله سبحانه وتعالى، وبعدالة القضية وحقيقة ديمومتها والإيمان بالنصر الذي كان حافزًا أساسيًا للتقدم الى الأمام.
وما من شك أن وجود الخالد ياسر عرفات بعقله الغارق بفلسطين كان يمثل علامة ثقة، ومظلة أمان للمركب فلم يكن يساور أحد الشك بقيادة الخالد أبوعمار، رغم عثرات عديدة أشار لها كثيرون حين تحدثوا عن مسار وآراء ومواقف الختيار.
تحت الاحتلال نَمَت وتطورت قليلًا قليلًا عقليتان الأولى تلك التي بقيت على حالها أي عقلية النضال (التي أشعلت لاحقا الانتفاضة الثانية، وما تبعها من أشكال عديدة للمقاومة حتى اليوم) وفي مقابلها نمت عقلية الوظيفية التواكلية، عقلية الركود والركون للدعة والبريق الخلاب للسلطة المحدودة.
العقلية النضالية أو عقلية الثائر هي عقلية الانسان اليقِظ النشط المؤمن بدوره، وبأن حجر يسند صخرة كبيرة، لذا لابد من ديمومة العمل الكفاحي في كل الظروف وبكل الأشكال مقابل مناهضة عقلية الموظف المحدودة الفعل والنتيجة في أي مكان.
العقل الوظيفي لا يقوم بأي جهد الا مأجورًا أو لتلبية متطلبات “وظيفته” أو مهمته وكان الله بالسر عليم، وبكل تأكيد ركنتُ أنا للعقل النضالي الصعب والمتعب، وكتبت في ذلك الكثير وهذا ما كان من ترسيخ لمفاهيم في إطار النقلة.
ولعلني نجحت هذا إن علمت أن العقل النضالي عقل تضحية بالكثير الوثير على حساب القليل المادي، ولكن هو العظيم المعنوي والروحي.
5-الصراع الأكبر تحويل المصاعب والألم الى تحدٍ
لأكرر الفكرة الأساس وأعيدها لأن في الإعادة إفادة، وفي التكرار تثبيت واقتران ومثابرة بالقول أن المراحل الخمسة للتغيير في شخصيتي كانت بظني كالتالي
1-الانتقال من إطار العمل بالهندسة الى الإطار النضالي كتفرغ كامل
2-تغيير داخل الإطار النضالي، باتجاه الفكري والثقافي والأدبي
3- الفهم والنظرة والسلوك سيرًا باتجاه المدرسة الانسانية
4- في فلسطين-رفض هيمنة الاحتلال، ورفض هيمنة العقل الوظيفي السلطوي
5-تحويل الألم والصراع العقلي والنفسي الى فرصة ونافذة للعطاء والتغيير
وفي هذه الحلقة الخامسة والأخيرة يمكنني القول أنني كنت وما زلت أعايش بهذه بالمرحلة الخامسة الحالية من التغيير الكثير، حيث التناقضات الكبيرة والصغيرة في العمل السياسي من جهة بين العمل الوطني والتناقض الرئيس أي الصهيوني. وبين الحضاري العربي-الاسلامي في عمق فكرته ورسالته التي أحملها بمحبة وثقة وإيمان، وفي الإطار الوطني-الوطني أي بين التنظيمات وحركة فتح، وفي داخل أُطُر فتح ذات المساحة الأوسع من التباينات والاختلافات والشخصيات المتصارعة التي أعيشها يوميًا بحكم تواجدي في أطرها ومساحة حراكها ونفوذها، ثم بصراع علاقاتي الانسانية المختلفة باتجاهات عدة، وأنا ونفسي التي أكلمها وأحاورها ولا تمل الحوار أبدًا، وكلها صراعات أعايشها يوميًا وتعكس نفسها عليّ في عقلي ونفسي وروحي وسلوكي، وفي عملي الكتابي المتواصل، وفي عملي التثقيفي والتدريبي للكوادر، وفي طريقة تفكيرى وفي أدائي العام.
دوائر الصراع والألم
دعني أقول بشكل آخر أنه مع النضوج العقلي المرتبط بالتجربة، وعميق القراءات ومرور الزمن والوعي مقابل (اللاوعي) تجد أنك تخوض صراعًا، بل صراعات، واحيانًا حربًا في مساحة الأفكار، وفي مساحة العلاقات الانسانية ودوائرها القريبة والبعيدة، وحديثًا في مساحة الجسد المادي المنهك الذي يحتاج لاهتمام تم إهماله بقسوة في مراحل سابقة حتى ضج بالشكوى.
في هذه المرحلة الخامسة حيث تعاظم ما أسميته الصراع (الصراعات) الداخلية في نفسي اشتدت التناقضات والمصاعب التي سببت لي الألم والضيق الشديد، وأحيانًا ما أسميه الوجع المقيم
سواء بالدائرة الانسانية القريبة الأولى حولي حيث الأصدقاء والمقربين والزملاء.
أو الثانية التنظيمية العامة في الحركة.
أو الثالثة الوطنية (المغموسة بعمقها الحضاري الواسع)
أو الرابعة الجماهيرية
أو الخامسة تجاه الصهيوني.
وهي كلها التي دفعتني للمزيد من التفكّر والتأمل، والكتابة وبالطبع القراءة الموسعة في كل الاتجاهات وبتكثيف الفكري والنفسي والروحي.
في صراع أو حرب الأفكار المندلعة بشدة، قرأت بهذه المرحلة كثيرًا وكتبت كثيرًا، وطوّرت ونقدت ذاتي ومازلت.
في هذا الصراع اخترت أن اكون ما أنا عليه باعتقادي من انفتاح نسبي -لم يكن سابقًا- على الآخرين حيث وقع مني التجاور بخفة وهدوء، وبقلق غير مُقعد وخوف لكن محفّز لكل من الأفكار ذات الطبيعة التاريخية حيث تتوسطها دومًا فلسطين، وفي النظرة للاحتلال والصهيونية ذات الطبيعة العدوانية الإقصائية القاطعة، وفي مساحة الواقعية السياسية وتفهم الاختلافات في المجتمع وبين الفصائل…
وكل هذا سياق يقابله سياق التنمية الفردية، أو البناء الذاتي الشخصي من حيث محاولة الفهم والتفكر الدائم والتبحر بالنفس الانسانية والعقل وفي نفسي وروحي التي واجهت المشكلات والآلام (والوجع المقيم) بعد تعب شديد بتحويلها الى تحدٍ وليست الى أمر مُقعد وعقبة كأداء.
لقد كان هنا للبُعد الروحاني الديني أن شكل رافعة عظيمة، بل بالحقيقة في كل المراحل أوالمنعطفات. إضافة للطبيعة واحتضان الأرض والأشجار والازهار والسهول والجبال التي أعطتني الكثير الكثير مما أثّر في قابليتي للتحمل والاستمرار.
ببساطة عندما تقع المشكلة أو الأزمة (سواء العقلية بالشك والاستفسار ونشدان الحقيقة، أوالانسانية بالعلاقات والمواقف والمشاهد هنا) كان التفكيرلديّ يتصل بالرد على الفكرة المعاكسة أوعلى الشخص الآخر (هجوم أو دفاع)، وتنفيس حالة الاحتقان.
ثم تطوّر الرد ليتحول لتوجيه السؤال لذاتي أنا وليس الآخر كالتالي: ماذا أخطأت أنا؟ وكيف أطور ذاتي لاستيعاب الآخر(أو الفكرة الاخرى) واحتضانه، أصبحت المشكلة تحدي لي أنا، فأنطلقت للقراءة أكثر، لأجد مساحات جديدة كل مرة تحتاج لإغناء.
وهذا لعمري من أصعب ما يكون وأحيانًا هو أمر لايحتمل -أي أن تترك الآخر(فكرة أوموقف أوشخص…) خاطئًا أو جاهلًا أومسيئًا بوعي أو بغباء- حيث من الأسهل الهجوم والتصدي والبتر ولكن رحابة التفهم والاحتواء والاحتضان التي مازلت أتدرب عليها جاءت من عمق التجربة مع الروّاد، ومن الفهم للاختلافات فيما اطلعت عليه من آلاف الأوراق والدراسات في بناء الشخصية والتنظيم وعلوم الاجتماع والنفس والإدارة والقيادة….الخ، والتي أضافت الى العقل العلمي-الهندسي، والسياسي-التنظيمي- التحليلي بُعدًا هامًا.
لا أنسى أن أعيد التأكيد على الأخلاق والقيم والضمير المرتبط بالسياق الروحاني الذي مازلت أحتضن به القرآن الكريم لأكثر من 6 سنوات من حيث الاطلاع على مختلف التفاسير، وعقلي معها فاكتشف بهذا الكتاب العظيم الدنيا كلها والآخرة.
هذه المرحلة تحتاج لتفاصيل عميقة، ولربما تظهر أجزاء منها حيث التذبذب أو التنقل بين الحالات في كتاب قادم تحت عنوان قلم مختلف…لا أدري.
غيّر حياتك في 5 خطوات
لكن بجميع الأحوال يمكنني القول أن التغيير في الحياة من السرد السابق، إن كان للشخص أن يمسكه ويحتضنه ويطبقه بوعي، فهو مرتبط بخمس خطوات أساسية، عليك الانتباه لها هي كالتالي:
1-قيّم وضعك الحالي بصدق مع الذات (سواء بدائرة العلاقات، أو الفكرة، أو الجسد)
2-قرر تغيير ما تجده سيئا أو محزنا أو سلبيا ويحتاج لتغيير(محولًا الأزمة والالم الى مفاتيح تحدي، وإقدام)
3-انقل القرار من الدماغ (مرحلة التفكير والتخطيط) الى الواقع بأن تبدأ بخطوة أولى.
4-ثابر على تكرار الخطوة ذاتها أو الخطوات يوميا
5-التزم بما تفعل بتناسق وتناغم والتزام.
يقول “ويليام آرثر وارد” الكاتب والمفكر الأمريكي: “المتشائم يشتكي من الريح العاصفـة، والمتفائل يأمل في توقفها، أما الواقعي فيعدّل الأشـرعة”.
ويقول ابن الفارض فيما رأيته صراع النفس والواجب، والمامول والواقع، والحب الإلهي ما استحسنته هنا:
ما لي سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِفي حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف فلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفْتَنييا خَيبَة المَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
وهو القائل بذات القصيدة أيضًا:
ولقد أَقولُ لِمَنْ تحَرّشَ بالهوى* عرّضْتَ نفسَكَ للبَلا فاستهدف
كان المقرر أن يكون هذا المقال قصيرًا حول أدوات التغيير الخمس وهو ما أجملته هنا بالمقال الخامس الأخير فانهمرت الأفكار لأتخذ من نفسي نموذجًا لخوض الصراعات والتأثير والتأثر والتغيير ولعلني أوصلت الفكرة، وإن لم أفعل فما زلت أتعلم، وفي الجعبة الكثير.
