قوة اللطف بمواجهة القسوة!
في التربية المشرقية نفهم أنك يجب أن تكون متحفزًا دومًا لأي خطر خارجي أو منافسة أو تعدي محتمل عليك، وفي ذات التربية تبرز مهمة الردع الخارجي كأساس لبناء الشخصية المشرقية. فقضية أن الآخر قد يشكلُ خطرًا يتم تضخيمها بالنفس إلى درجة معيقة أحيانًا أو إلى درجة تشكل إطارًا لحالة عدوانية مرتقبة.
التنبيهات التي يخضع لها الطفل في بيئته تقترب من التنبيهات التي يتلقاها الجندي على الجبهة! فقائمة الممنوعات كثيرة وقائمة المسموحات قليلة، وبناء عليه يتم بناء الشخصية على قاعدة التحوّط والخشية والتحرّزمن العلاقة من الآخرين.
يتم تنبيه الطفل بهذا النمط من التربية على أن من لطمك على خدك الأيسر فالطمه على رأسه! ولا تبقي له مساحة أن ينبس ببنت شفة في محاولة للتبرير أو الرد. وفي مدرسة تعليم “العنف لا يواجه الا بالعنف” تبنى الشخصية العدوانية التي تقيم كل الأوزان لمقدرتها على الرد فقط. فإن كنت ضعيفًا أو أبديت ضعفًا (فيا ويلك ويا سواد ليلك) حيث تلقى التقريع وربما النبذ من العائلة والأبوين والأخوة والأصدقاء أو على الأقل اللوم أوالسخرية والاستهزاء.
تبنى الشخصية العنيفة بمجموعة من الأوامر الصادرة للطفل منذ الصغر وهي كما أسلفنا المشتملة على قائمة طويلة من التحذيرات والممنوعات وطبيعة ردود الفعل القاسية الفعل التي يحضّ عليها.
لربما أثرت عقلية الغزو والسلب والنهب الأولية في القاعدة الصحراوية أو القبلية على طبيعة الشخصية المشرقية فجعلت من جدب الأرض يقابله جدب المشاعر إلا ما أقام بها الحياة. وجعلت من قلة المياه مساحة صراع على الحياة، وجعلت من افتكاك الأموال وسلب القوافل مزيّة يشكر عليها، وكلها -مع تضاؤل الشخصية الصحراوية الجاهلية- الا أنها ظلت تعيش داخل البنية الوراثية لتنتج تلك الشخصية الخائفة من جهة والحذرة من جهة أخرى أو بأقصى حالاتها الشخصية العنيفة، وهي المقدمة للقاتلة ، أو المتقوقعة نحو ذاتها.
لم يكن اللطف ليُفهم الا أنه ضعف في المجتمعات المحاربة. ولم يكن التسامح والعفو والصفح مفهومًا إلا من موقع الهيمنة والسطوة والغلبة فقط لأن أي إظهار للّطف أو التسامح من موقع يتم تبنيه على أنه ضعف ذلة وضعف وإهدار للكرامة.
لن نأتي لتلك الأديان العنصرية التي تجعل من ربها إله حرب لا يحب سواها ولا يدافع عن سواها! لذا فالمطلوب منها حماية حميّة الإله القاتل وتوجيه قوة الحقد والاستنزاف الداخلي نحو الإبادة الجماعية وإفناء أو محو الآخر تلبية لوحشية ربهم المحارب فهذه حالة شاذة-وإن تعملقت اليوم- وخارج النص هنا.
تأتي قصة الكرامة بين الناس لتفترض أن أي إهانة أو اعتداء صغر أو كبر يجب أن يقابل بالمثل وأن يقابل بطلب الاعتذار ويقابل بالرد بالمثل لأن دون ذلك انسحاب وضعف يستدعي المعايرة ولم يكن لفكرة التسامح أو غض الطرف أو مقابلة العنف باللطف أن أصبحت سمة عامة أو فضيلة يحض عليها.
في إطار صورة الحازم والبطل والقوي التي يتم تربية الأشخاص عليها تنسحب قوة اللطف أو قوة الرحمة أوقوة التسامح والأمر بالمعروف أمام مفهوم القوة المرتبط بالقسوة فتنزاح عملية اللطف عن الشاشة لتستبدل بكيل اللطمات أو العين بالعين داخل المجتمع الواحد فينشأ الشخص على حافة الجبل حيث لا يمكن أن يتم التسامح معه حين يظهر أقل ضعف (مودة، لطف، رقة، معروف…) فتزهق روحه ويلقي من قمة الجبل!
لا يفهم اللطف أو العفو أو المسامحة أو الغفران لدى طبيعة هذه التربية إلا من موقع المسيطر، ولك حينها أن تعفو أو تغفر أو لا تفعل ذلك. أما في حالة الضعف أو إهدار الكرامة فذلك هو العار.
إن التربية على القسوة والعنف الذي يجر للقتل أو الإرهاب وهي التربية المرتبطة بالتشكك الدائم والخوف لا تؤسس لشخصية سوية بقدر ما تؤسس لشخصية قاسية ظالمة متجبرة تفترض في ذلك القوة المنشودة، أو شخصية مهزوزة بين طبيعة قيمها الذاتية، ومتطلبات التربية فيصبح اللطف عملة صعبة بين الناس.
لا نتكلم هنا عن العلاقة بين المستعمَر والمستعمِر (الأولى بفتح الميم والثانية بكسرها) ولا نتكلم عن العلاقة بين المحتل والرازح تحت الاحتلال فهي علاقة مختلة أساسًا، وقد يصدق معها مفاهيم تلك العلاقات. وإنما الفكرة موجهة فقط داخل الأسرة أوالمجتمع أوالتنظيم أو الشعب وبين الشعوب المحترمة التي تحترم نفسها والآخر بلا هيمنة ولا قهر ولا فرض سواء مادي أو ثقافي أو فكري.
كانت هذه الملاحظة في سياقها كيلا يؤخذ الأمر على غير محامله لنصل هنا للقاعدة القرآنية العظيمة في “وليتلطف” (الكهف، 19) التي تأتي في منتصف القرآن الكريم تمامًا، ليكون الحضّ على الرفق واللين في التعامل مع وبين الناس -في أحد المعاني- للآية وليقابلها من الآيات الكثير مثل “وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا” (النساء 5).
قال العلامة ابن القيم “مُلاطفة الخلق، وهي مُعاملتهم بما يُحبُّ أن يُعاملوه به من اللطف، ولا يُعاملهم بالعنف والشدة والغلظة، فإن ذلك ينفرهم عنه، ويُغريهم به، ويفسدهم عليه قلبه وحاله مع الله ووقته، فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف، فإن مُعاملة الناس بذلك، إما أجنبي فتكسبُ مودته ومحبته، وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو ومُبغض فتُطفئُ بلطفك جمرته وتستكفي شره”.
كل الفكرة هنا باللطف أو التلاطف ولين الجانب في القول والسلوك بين الناس ومع النفس بعيدًا عن التشكي أو اللوم الدائم للذات أو الآخر هو لتحفيز السعي للخروج من ثوب التربية القاسية الحاثة على العنف أو مقاومة الإساءة بالإساءة دومًا، ما يصنع شخصيات حدية غير متسامحة سوداء القلب.
كتبتُ كتابًا صدر مطلع 2026م تحت عنوان “مناضلون عشتُ بهم” استعرض مسيرة شخصيات لي معها مواقف أو علاقات، وكتبته من موقف المحبة والاحترام والتأثر أو التأثير وبمزيد من الشعور باللطف والمحبة لهم حتى لو كان منهم أو مني في فترات معينة صدامات أو خلافات، لم أراها إذ تجاوزتها عندما كتبت عنهم. ومنهم الحي ومنهم الذي انتقل لجوار ربه، فكان الامتنان للعلاقة معهم والكتابة عنها سبيلًا لتكثيف المشاعر والسلوكيات الايجابية لدي، كما حالتي عند التفكر والتأمل بالعلاقات تلك أو مثلها القائمة اليوم.
يقول المولى عز وجل في نبينا الكريم “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران 159)
بالختام أود القول إن اللطف واللين رحمة من الله مناقضة للقسوة والعنف غير المبرر، وهي مصلحة ذاتية لك شخصيًا، كما مجتمعية أو أسرية تجعل إدخال السعادة للقلوب مهمة أساسية، وكما يقول العلماء فاللطف يخفف التوتر (يخفف مستوى الكورتيزول فيقلل الاكتئاب والقلق) كما يفيد الصحة النفسية، بل وهو مفيد أيضًا للقلب والى ذلك يعزز طول العمر.
