الكراهية ووقود الحقد!
لم اختبر يومًا معنى الكراهية المستمرة لأنني طوعت نفسي على العفو والمسامحة بفضل من المولى عزّ وجل، وإن كنت أغضب أو أحزن أو استاء أو أنفعل صارخًا من أفعال هذا الشخص أو ذاك فإن فكرة كراهية الشخص تلك المرتبطة بشخصه لم تتجاوز عندي بضعة حالات سرعان ما سامحتها في نفسي رغم ابتعادها زمنيًا عن الوقت الحاضر، أي أنني اختبرتها في مراحل متفرقة في حياتي.
لا أستطيع أن أقول أن عامل السن هو الأساس بذلك أبدًا، وهذا الكلام الموجّه لمن يظن ذلك! فهناك من كبار السن ممن أعرفهم أصبحت الكراهية نسيج شخصيتهم حدّ الحقد.
إن ترك الكراهية خارج بوابة القلب تأتي من الإيمان والقناعة أولًا، ثم تدريب النفس على التحمل واليقظة والتفهم حتى للخاطيء وعذره، وثالثًا من فهم المعنى الحقيقي للعفو والمسامحة والصفح وهي صفات حضّت عليها كافة الأديان، وفي الاسلام تجد الكثير.
تعلمت أن أكرَه الأفعال لا الأشخاص رغم الربط الكبير بين الشخص وفعله الى حد صعوبة التمييز، لاسيما إن تكرر الفعل المسيء من ذات الشخص. ولكن الحقيقة تكمن في محاولة إبعاد الشخص عن أفعاله لأن شخصيته تنطوي على عوامل الشر وعوامل الخير بمعنى أنك لو نظرت لها من زاوية واحدة فلن تتفهم مساحة الخير فيها (غالبًا)، وما هو صعب جدًا تحمله خاصة عندما يسيء لك الشخص.
في الموقف الأول قام الشخص ولنطلق عليه اسم عبدالتواب بالإساءة لي من خلفي، وعندما واجهته بالإساءة لم ينكر أو يحاول أن يتنصل بل أصر على فعلته بشكل عجيب لم أرى مثله في حياتي رغم قولي له أن هذا يُزعجني ويسيء لي ولا احتمله لكنه أصرّ على صواب فعلته ضدي!! فلم أسامح زمنًا طويلًا بعد أن قاطعته حتى نسيت شكله، سامحه الله. واليوم أتفهم نوعية الشخصية هذه ولو تسني لي اللقاء معها لعذرته بعد كل هذه السنين، فلست له من الكارهين بل لفعله.
أما خالد فلقد عمل معي في فترة رئاستي لاتحاد الطلاب وكان مستنكفًا عن العمل الميداني تحت ذريعة أن هذا ليس عمله مفترضًا أن عمله مرتبط فقط بالاجتماع وعلى الآخرين القيام بواجب تنفيذ أفكاره وكأنه رئيس شركة يأمر فيطاع! بينما نحن في الثورة الفلسطينية نفهم اقتران التخطيط بالعمل والعطاء، ولا نأنف من العمل اليدوي أو الميداني بمعنى أن للتفكير وقته وكذلك التخطيط كما للتنفيذ ما لا يمنع حين الضرورة القيام بهما معًا، لكن الشخص هذا تحت إمرتي أصَرّ على ما يرى. ولما قابلته بعد 20 عامًا كان يفترض أن الخلاف في شكل الإدارة! فأعدت التوضيح له أن هذا غير صحيح، بل في طريقة التفكير التي تأنف من العمل اليدوي ولكن بدون أية كراهية لذات الشخص الذي عاصرت مثله فترة عضويتي في المجلس الثوري لحركة فتح ثم في إطار رئاستي لأكاديمية فتح الفكرية.
الى جانب خالد فلقد ظهر لي فؤاد فترة رئاستي للجنة التعبئة الفكرية ثم أكاديمية فتح الفكرية وهو الذي افترض أن طرح الأفكار أثمن من تنفيذها! فيما أعلمته بطريقتي بالقيادة أن طرح الأفكار هام وضروري ولأننا نعمل في إطار تطوعي فإنه الموكّل بتفيذ ما يقترحه ومنا كل الدعم المعنوي فلم يقبل ذلك وانسحب من الإطار، كما فعل غيره الذي لم يستطع أن يفهم أن الإطار الوطني أو الثوري لا يحتمل أصحاب الأفكار دون الأفعال فكرهت أسلوبه فقط. وما زلت احتفظ بعلاقة جيدة على ما أظن مع فؤاد أما خالد فلقد باعدت بيننا المسافات، وظلم الاحتلال.
في الحالة الأخيرة لربما أقول أنني اختبرت شخصية ليس كارهة للآخرين ونفسها وإنما أشد من ذلك فهي شخصية حقودة تتعمّد الإساءة للآخرين نعم تتعمّد، وكأنها طبيعة ذاتية ملازمة، ومع المعاشرة القريبة ثم البعيدة لهذه الشخصية فإنها لم تتوقف عن مسارها هذا بل أطلقت عملية إفساد عظيمة التأثير في مساحة نفوذها لم يسلم منها إلا الذي خضع واستكان وسقط تحت مخالب الحدأة، ومع ذلك لم أكره الشخص ورغم تجنبي له، فلا أكنّ له الآن الا الشفقة والدعاء بالنجاة من سوء طويته وإصراره على تكرار سوء أفعاله.
الكراهية في أدب العرب
إن الكراهية نار حامية والحقد جحيم مستعر والعفو أو المفغرة والصفح على اختلاف معانيها كدلو ماء بارد يُدلق على النار الموقدة فيطفئها كما يطفيء نار الغضب.
لقد اعتبر ابن المقفع الكراهية من أكبر مُفسدات العقل والمروءة، بل واعتبرها إعاقة ذهنية تمنع الانسان من التفكير السليم وهي والعدوان أسيرتا الهوى، ومنطلق العجز عن رؤية الحقيقة ومدخل التحيز والجور، ولعمري أن هذا القول صحيح بالتجربة باستثناء ما لم أقبله من اعتبارها “إعاقة دائمة” ما يجب في إطاره فهمها كانحراف سلوكي وجهل معرفي قابل للاصلاح في غالب الحالات عبر تفعيل مكونات الإيمان والعقل ما ينعكس بالسلوك.
لجأ ابن المقفع في كتابه القصصي الشهير على ألسنة الحيوانات “كليلة ودمنة” لتصوير الكراهية والحقد في شخصية دمنة (ابن آوى) بسبب الطموح الأعمى والحسد فيما مثل الأسد والثور عنده معنى الصداقة والتحالف الوثيق وحين استخدم دمنة الواوي الكذب والنميمة لزرع الكراهية في قلب كل منهما نجح الى حد القتل.
يقول الشاعر العظيم أبوالطيب المتنبي
وَمِنْ حَسَدِ الأقْوامِ أنْ يَتَمَنّوا … عَمَايَ وَأنْ لا يَسْمَعُوا بيَ شَادِيَا
وقال عنترة
لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ … وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ
ويقول الإمام الشافعي
قَالُوا سَكَتَّ وَقَدْ خُوصِمْتَ قُلْتُ لَهُمْ … إِنَّ الْجَوَابَ لِبَابِ الشَّرِّ مِفْتَاحُ
وَالصَّمْتُ عَنْ جَاهِلٍ أَوْ أَحْمَقٍ شَرَفٌ … وَفِيهِ أَيْضاً لِصَوْنِ الْعِرْضِ إِصْلَاحُ
أَمَا تَرَى الأُسْدَ تُخْشَى وَهِيَ صَامِتَةٌ … وَالْكَلْبُ يُخْسَأُ لَعْماً وَهُوَ نَبَّاحُ
ويقول الشاعر المقنع الكندي
وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِمُ … وَلَيسَ رَئيسُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا
الكراهية والحقد في العلم الحديث
انتقل المفهوم في العلم الحديث من إطار الأخلاق والأدب الى المستوى العملي والسلوكي والعصبي حيث تم تعريف الكراهية بأنها: عاطفة مركبة عميقة الجذور تتسم بالنفور الشديد المستمر ورغبة دفينة في تدمير أو إيذاء موضوع الكراهية أكان شخصًا أم فكرة ام جماعة.
يقول الدكتور كارنز: “الكراهية هي نفور شديد ومستمر تجاه شخص أو شيء ما. قد تكون الكراهية عنيدة، وغالبًا ما تنبع جذورها من انعدام الثقة أو الخوف أو (انعدام) القوة الفردية والضعف”.
ويوضح جدعون جافنا، الأخصائي الاجتماعي المرخص ، وهو معالج نفسي يمارس عمله في عيادة خاصة في ريتشموند، فيرجينيا-أمريكا أنه “يمكن أن يكون الكُرْه شيئًا يتم تعليمه عندما تكون جزءًا من مجموعة ترى تهديدًا من مجموعة أخرى من الناس. “[1]
الى ما سبق يقول د.غاري وينك “أظهرت الدراسات النفسية أن الناس يشعرون بمزيد من الاستثارة العاطفية، والتهديد الشخصي، والميل إلى الهجوم عند التعرض للكراهية مقارنةً بالاشمئزاز، والاحتقار، والغضب، والنفور. كما أفاد الناس بأن الكراهية تبدو أشدّ وأكثر ديمومة من النفور، والغضب، والاحتقار. وقد تكون الكراهية بين الجماعات شديدة أيضاً، لكنها عادةً ما تستند بشكل أقل إلى التفاعلات الفردية السابقة، وأكثر إلى اختلافات في المعتقدات، مثل الانتماء إلى حزب سياسي.”[2]
ويضيف أنه وفقًا لدراسة حديثة بالرنين المغناطيسي الوظيفي لأدمغة أشخاص أصحاء أثناء مشاهدة شخص يكرهونه مقارنة بمن لا يكرهونهم أو لايعرفونهم وبالتالي لا يكنون لهم أية مشاعر، وجدوا نمطًا فريدًا من النشاط بالدماغ يعرف ب “دائرة الكراهية”.
وللمفارقة فإن بعض الأجزاء الناشطة عند الكراهية تنشط عند الحب الجارف!
التوازن
مما يفسر علميًا الخيط الرفيع بين العاطفتين وتحول أحدهما للآخر مع الخلاف أن “الحب أعمى” فيما الكراهية تبقى الأجزاء المعنية نشطة لتخطيط الحقد والانتقام تمامًا فيما يحصل بالشخصيات أو الجماعات العنصرية أو المتطرفة فيما نراه باليمين التوراتي الإسرائيلي الحاقد أو اليمين في الحركة المسيحية الصهيونية، أو الجماعات الإسلاموية أو الهندوسية أو المسيحانية المتطرفة، أو الإرهابية منها.
ومن هنا تتجلى حكمة الخالق بالتوازن. ولنا النظر بالآيات الكريمة حيث حذّر القرآن الكريم من الغلو أو المغالاة (التطرف) ومن ترك الدين (الإهمال)، ودعا إلى التوسط ففي الحث بالعمل ضد التطرف قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ- النساء 171) وحين الحديث ضد الإهمال والانحدار والتهاون فلقد ذم القرآن الذين يتركون العبادة والمسؤولية: (َفخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ-مريم 59) وصولًا لمنهج التوازن في قوله الكريم (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا-البقرة 143).
مثلث الكراهية[3]
وضع العالم “روبرت ستيرنبرغ” نظرية تتكون فيها الكراهية من 3 أضلاع
1-نفي الحميمية أو الألفة: توليد شعور بالاشمئزاز والنفور من الآخر، وبالتالي توليد الشعور بالابتعاد.
2-الانفعال بشحن الغضب: إثارة الغضب أو الخوف المكثف ضد المستهدَف
3- القرار والالتزام المعرفي: عبر نشر أفكار ودعائيات (بروباغندا) تقلل من شأن الآخر وتبرر الحقد عليه (أنظر نموذج القيادات الإسرائيلية في العدوان الفاشي على فلسطين من بوابة غزة وتنفيذ المذابح والإبادة الجماعية، والأفعال والتصريحات المليئة بالعنصرية والحقد والغضب حد الحضّ على القتل وتقديسه ومن ثم فعله علنًا).
ويقول د.ستيرنبرغ أيضًا أن التركيبات المختلفة لمكونات الكراهية تؤدي إلى أنواع مختلفة من الكراهية. وهذه هي:
(1) الكراهية الباردة: الاشمئزاز (الاشمئزاز من إنكار الحميمية فقط)،
(2) الكراهية الساخنة/الحارقة: الغضب/الخوف (الغضب/الخوف من العاطفة فقط)،
(3) الكراهية القاسية: التقليل من القيمة/التقليل من شأن القرار/الالتزام فقط،
(4) الكراهية حدّ الغليان: النفور (الاشمئزاز من إنكار الحميمية و الغضب/الخوف من العاطفة)،
(5) الكراهية المتأججة: الكراهية (الاشمئزاز من إنكار الحميمية و التقليل من القيمة/التقليل من شأن القرار/الالتزام)،
(6) الكراهية الغاضبة: الشتيمة (الغضب/الخوف من العاطفة و التقليل من القيمة/التقليل من شأن القرار/الالتزام)،
و(7) الكراهية الحارقة: الحاجة إلى الإبادة (الاشمئزاز من إنكار الحميمية و الغضب/الخوف من العاطفة و التقليل من القيمة/التقليل من شأن القرار/الالتزام).
أنواع الكراهية العصرية
نجد من أنواع الكراهية العامة في هذا العصر كراهية المسلمين أو رُهاب الاسلام أو “الاسلاموفوبيا”، كما نجد الكراهية التوراتية تلك التي تُمجّد فئة دينية أو قبيلة (يسمونها خطأ شعبًا) على حساب أمم الدنيا، وهناك الكراهية الغربية المنشأ والجذور أي كراهية اليهود الديانة أو ما يسمونه (اللاسامية)، وهناك كراهية المتطرفين لمخالفيهم تحت إدعاء الجاهلية أو الكفر أو الرِدّة، والكراهية الانسانية حد الحقد أو التعصب الديني او العرقي كما حال المستخرِب (المستعمر) الغربي، أو المحتل الصهيوني، وهناك بالاتجاه المقابل كراهية الأخيار لأنهم يكشفون عيوب الأشرار كما الحال في كراهية المنكر، ويقابلها “كراهية النهي عن المنكر” ما تعتبره بعض الحضارات المنحرفة حقًا من الحقوق! وهو مما يحض عليه عندهم بقوة القانون!
وهناك أنواع أخرى كثيرة يذكرها “روبرت.ج. ستيرنبرغ” أستاذ علم النفس في جامعة كورنيل، ولنا التوقف فقط عند كراهية الناس عامة ثم عند كراهية ترك المساويء أو المنكر، وكراهية الأخيار والناجحين.
يقول “سانجانا غوبتاا”[4] أن الكراهية تمثل “مشاعر الازدراء والعداء والضغينة تجاه شخص أو مجموعة من الأشخاص. ويُشار إليها أحيانًا بأنها نقيض الحب.”
ومضيفًا “لا يولد الأطفال بمشاعر كراهية أو تحيّز تجاه الآخرين، لكنهم قد يكتسبون هذه المشاعر مع مرور الوقت. في سن مبكرة، يبدأ الأطفال بشكل طبيعي بالشعور بالإحباط والغضب والخوف والاشمئزاز كرد فعل على التجارب السلبية والشعور بعدم الارتياح في بيئتهم. أما الكراهية الحقيقية فتُكتسب من خلال التجربة.” ليصل بالقول الى أن “الخبر السار هو أنه بما أن الكراهية يمكن تعلمها، فإنه يمكن أيضاً التخلص منها”.
“من الطبيعي تمامًا أن تشعر بعدم الارتياح تجاه الآخرين أو أن تكون لديك مشاعر سلبية تجاههم. وحيث إن عدم الرغبة في قضاء الوقت مع الآخرين أو تفضيل العزلة بشكل عام قد يكون علامة على سمات شخصية مثل الانطوائية.”
مع ذلك، “قد تكون مشاعر الكراهية المستمرة والشاملة والشديدة تجاه الآخرين علامة على مشكلة أكثر خطورة.” وحيث يُطلق أحيانًا على “الشخص الذي يكره جميع الناس بغض النظر عن معتقداتهم أو عرقهم أو انتماءاتهم أو مكانتهم الاجتماعية أو دينهم، اسم ” كاره البشر “. ورغم أن كراهية البشر ليست اضطرابًا عقليًا، إلا أنها قد تكون أحيانًا علامة على حالة صحية نفسية، مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.”
كراهية الابتعاد عن المفاسد!
أما في كراهية الابتعاد أو كراهية النهي عن المنكر أو الفواحش، ومعانقة الأخلاق الفاسدة فإنها قد تكون لطبيعة نزعات النفس ونزقها ومن حيث ميل النفس البشرية لحب الراحة والشهوات والسطوة، أو لنظرة مجتمعية في المنكرات (المُنكرات والمفاسد حسب الأديان) أنها حقًا من حقوق الانسان! كما يتعلمون من الحضارات الغربية. وقد يكون في النهي عن الإتيان بالمفاسد أو الفواحش والمنكرات تعارض مع المصالح الشخصية فتصبح مصلحة الذات (أو الجماعة) فوق الآخرين حتى لو تم إلباسها لباسًا مقدسًا.
وأيضا تنسب كراهية النهي عن المفاسد للتكبر والعناد كصفتين تبيحان الإساءات والمثالب وتقبل الخطأ وعدم العودة عنه أو عدم الاعتراف بالذنب والتكفير، كما تُنسب للنزق والاستبداد في الشخصية.(أنظر الحديث الشريف: “أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سلطان جائرٍ”)
إضافة الى ذلك طبيعة البيئة أو المجتمع أو الاعلام ومنه الاعلام الاجتماعي الذين يزيّن المفاسد والإساءات باعتبارها حرية أو خيار بعيدًا عن ضوابط الدين (الأديان) أو قيم المجتمع وأعرافه الصحيحة. وفي سياق آخر قد يكون للجهل والقصور المعرفي دورًا في ذلك أيضًا.
كراهية الناجحين!
في كراهية الناجحين[5] أو النفور منهم يُقال أنه “غالباً ما يُغيّر النجاح الحوافز، والظهور، والآليات (الديناميكيات) الاجتماعية بطرق تُولّد احتكاكاً. وعادةً ما ينبع النفور من الناجحين من مزيج من العوامل النفسية والاجتماعية والهيكلية، وليس من خلل أخلاقي واحد، والأسباب الرئيسية:
1-المقارنة النسبية والحسد
النجاح يُبرز الثغرات: فعندما تكون إنجازات شخص ما واضحة للعيان، يقارن الآخرون بشكل طبيعي تقدمهم. وتُولد أوجه القصور المتصورة الاستياء بسهولة أكبر من الإعجاب.
تأطير المحصلة الصفرية: الأشخاص الذين يرون الموارد (المكانة، المراكز، الاهتمام) على أنها محدودة يعاملون مكسب الآخرين على أنه خسارة لهم، مما يؤدي إلى العداء.
2-تهديد للهوية والمعايير الاجتماعية:
عدم التوافق مع المكانة الاجتماعية: فقد يتعارض النجاح مع توقعات المجموعة (مثل معايير التواضع والإنصاف والامتثال والالتزام). ويصبح الشخص الناجح رمزًا يتحدى معتقدات الآخرين حول كيفية سير الأمور في العالم.
الإشارة إلى القيم: قد يُفسر السلوك الثري أو ذو المكانة العالية على أنه أناني أو متغطرس أو منفصل عن الواقع، حتى عندما يكون ذلك غير مقصود.
3-التغيرات في السلوك والحوافز بعد النجاح
أولويات مختلفة: غالباً ما يعطي الأشخاص الناجحون الأولوية للكفاءة أو الاستفادة أوالأهداف طويلة المدى، وهو ما قد يبدو بارداً أو غير صبور أو متجاهلاً لمشاعر الآخرين.
التكاليف الاجتماعية: للحفاظ على النجاح أو تنميته، قد يقطعون العلاقات، أو يفوضون المهام، أو يفرضون حدودًا تبدو وكأنها انعزال أو خيانة.
4-وضوح العيوب وتضخيم الانتقادات
التدقيق المتزايد: النجاح يجلب الانتباه. والأخطاء الصغيرة التي يمكن تجاهلها في الحياة الخاصة تصبح عناوين رئيسية أو مادة دسمة لوسائل التواصل الاجتماعي للناجحين.
الذاكرة الانتقائية: يميل الناس إلى تذكر إخفاقات الشخصيات البارزة بشكل أوضح من نفس الإخفاقات لدى الأشخاص العاديين.
5-أخطاء الإسناد والأحكام الأخلاقية
خطأ الإسناد الأساسي: ينسب المراقبون النجاح إلى الشخصية (الذكاء، القسوة) بدلاً من الحظ أو التوقيت أو المزايا الهيكلية، مما ينتج عنه أحكام أخلاقية.
الشك في وجود طرق مختصرة: عندما يبدو النجاح سريعًا جدًا أو سهلًا جدًا، يستنتج الآخرون وجود ميزة غير عادلة أو محسوبية أو سلوك فاسد وغير أخلاقي.
6-الإشارات الاجتماعية وديناميكيات الجماعة الداخلية/الجماعة الخارجية
المشاعر المعادية للنخبة/أو الطليعة: يمكن اعتبار الأشخاص الناجحين جزءًا من جماعة خارجية (النخبة، ثقافة النخبة)، مما يثير كراهية جماعية كشكل من أشكال التسوية الاجتماعية.
التظاهر الأخلاقي: يصبح انتقاد الناجحين وسيلة للنُقّاد للإشارة إلى الفضيلة أو التعاطف أو الانتماء إلى مجموعة أخرى.
7-العواقب العملية والمنافسة
المنافسة على الموارد: غالباً ما يتنافس الأشخاص الناجحون على المراكز والتمويل والاهتمام، وبالتالي يخلقون خاسرين حقيقيين أو أشخاصاً نازحين.
الرقابة والتنفيذ: قد يقوم الناجحون بفرض معايير تستبعد الآخرين، مما يثير العداء.
8-الأنماط الشائعة والسلوكيات المخففة
النجاح المقترن بالتواضع والتعاطف والكرم يقلل من النفور، والنية المفترضة مهمة فالناس يسامحون على الأخطاء عندما يعتقدون أن الشخص الناجح يهتم بالآخرين.
إن الشفافية بشأن الحظ والامتياز والجهد تقلل من التفسيرات الأخلاقية التي تولد الاستياء. كما إن الحفاظ على علاقات اجتماعية وثيقة وخاصة، وإظهار سلوك يومي يسهل الوصول إليه، يمكن أن يخفف من كراهية الجمهور.
خلاصة القول هنا “إن النفور من الأشخاص الناجحين متعدد الأسباب: فهو يمزج بين الحسد، والشعور بتهديد الهوية أو العدالة، وتغير الحوافز والسلوك، والتضخيم الذي يصاحب الظهور الإعلامي. وأفضل طريقة فعّالة لتقليل النفور الشخصي من قِبل الناجحين هي إدارة صورتهم العامة (التواضع والشفافية)، والحفاظ على علاقات وثيقة، وربط النجاح بمراعاة مصالح الآخرين بشكل واضح.”
كيفية التخلص من الكراهية
تقول الكاتبة “لورا وليامز”[6] أن الدراسات تشير إلى أن التعليم قد يساعد في تغيير السلوكيات والمواقف من خلال البرامج المدرسية لمنع سلوكيات مثل التنمر والمضايقات عبر الشابكة (انترنت) والعنصرية والتمييز.
يُعدّ تعليم التسامح، سواء في المدرسة أو في المنزل، من بين الأساليب (الاستراتيجيات) التي يروج لها عديد الجهات المهتمة كوسيلة للقضاء على الكراهية الممنهجة.
ومن الاستراتيجيات الأخرى:
- تأمل في تحيزاتك الشخصية.
- مارس الضغط على قادة المجتمع والسياسيين.
- قم ببناء علاقات مع أشخاص خارج دائرتك الاجتماعية المعتادة.
- ادعم ضحايا الكراهية.
- تحدث بصراحة داخل شبكتك الشخصية وعبر “وسائل التواصل الاجتماعي” ضد أعمال الكراهية.
الخاتمة:
في الكراهية والبغضاء لا نجد حلًا أفضل من الإيمان والدعاء والصفح، والتقوى (اقتران القول بالعمل) مما ذكره المولى عز وجل في كتابه العزيز إذ يقول
- رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (سورة الحشر، 10).
- وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت،34)
- وَأَن تَعفُوا أَقرَبُ لِلتَّقوىٰ، وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (سورة البقرة، من الآية 237).
- وَليَعفوا وَليَصفَحوا أَلا تُحِبّونَ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لَكُم وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ (سورة النور، 22).
والى ما سبق فلقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التدابر، والتباغض، فعن أنس بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث.”
وفي التخلص من الحقد والكراهية يقول د.أحمد الفرجاني[7] في الرد على حقد وكراهية سائلة لصديقتها في سباعيته التالي:
- 1. الدعاء والتوجه إلى الله تبارك وتعالى، فإن قلبك وقلبها وقلوب الناس بين أصابع الرحمن يُقلِّبُها ويُصرِّفها.
- 2. الاستمرار كذلك في الدعاء لها.
- 3. الفرح بما يأتيها من نعم وسؤال الله تبارك وتعالى من فضله.
- 4. عدم التركيز على حالها، والاشتغال بحالك أنت.
- 5. الصبر على مقاومة هذا المرض.
- 6. مخالفة عدوّنا الشيطان الذي لا يريد لنا الخير.
- 7. من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
ونضيف لما سبق ما يقوله الإمام أبوحامد الغزالي في إحياء علوم الدين: ” المجاملة تكلّفا كانت، أو طبعا تكسر سِوْرة العداوة من الجانبين وتقلّل مرغوبها، وتعوّد القلوب التآلف والتحاب، وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض. ”
الهوامش:
[1]ttps://www.everydayhealth.com/emotional-health/destructive-power-hate/
[2]https://www.psychologytoday.com/us/blog/your-brain-on-food/202208/what-is-hate-and-where-does-it-live-in-the-brain
[3] https://www.robertjsternberg.com/hate
[4] https://www.verywellmind.com/i-hate-everyone-why-you-feel-this-way-and-what-to-do-5204131
[5] https://www.quora.com/Why-is-it-that-many-people-who-are-successful-are-disliked-on-a-personal-level
[6] https://www.everydayhealth.com/emotional-health/destructive-power-hate/
[7] https://www.islamweb.net تحت عنوان: كيف أتخلص من حقدي على شخص؟
