في حضرة الحضور ومهما كان الثمن!-قصة
في حضرة الحضور (مع ياسر عرفات)
كل لقاء معه قد يكون مناسبة للدرس، وكل لقاء معه قد يكون مناسبة للاكتساب، والأمر أنك بحضرته تكون مأسورا للجوّ، والشخص والهالة التي تحيط به، وكما المريدين في حضرة الوليّ تحس بمشاعر قلّما تشعرها مع غيره.
حينما تراه تتبدل الفصول فجأة من النقيض الى النقيض، وتتبادل الطيور التحيات من على الفنن، وتكتسي الأرض بهاءها، وتلوذ أنت بأقرب عمود لتتكئ عليه، كي لا تسقط.
في حضرة الحضور تكون أنت بالكاد ظاهرًا، وفي حضرة الضوء لا تكاد فتات الظلمة تبرز إلا بين ثنايا الأسنان ورمشات أجفان العيون القليلة.
أنت في حضرة الربيع لا تفكر بالثلوج، وإنما بالرياحين وحلو الأنفاس، وجميل الأزهار البرية، والرقبة المرمرية لصبية فاتنة، تخطر في ممر الدروب الموصلة بين خطواتها وروحك التعِبة.
في الربيع، أنت محصن ضد الشتاء والصيف معا، فلا يجرؤ أي منهما على الاقتراب منك! لأن الربيع مستبدّ بك، كما الحال مع ضوء النهار، وفتنة النساء، ومزيج الحبّ المشرّب بالضجيج في يوم لم يكن لك في ليلته إلا كثير من الأرق.
في كل لقاء معه، أي كان الشخص من الروّاد الأوائل، حالة حبّ أصيلة.
وفي كل لقاء مع المارّين على أرواحنا كنسمة صيف جليلة حالة عشق لا تحتمل الجزع، وفي كل صحبة تظفر بها معهم أنسُ فريد، وولعُ بالأثر أكيد.
هو-مندفعًا:عن ماذا تتكلم يا رجل؟ وأراك تلجأ للفلسفة والأدب في خليط لم أعد أتبين منه المغزى!
أنا:أتكلم عن أبيك؟
هو:أبي! ومن أين لك أن عرفته هكذا؟
أنا: أنه أبي، كما هو أبوك؟
هو-متعجبًا: بدأنا بالألغاز ولعبة الأحاجي!
أنا:لا، أبدا. بل نظرية التأثير
هو، مبتسما: نعم. أظنني فهمتك؟ وأنت تتحدث عن المؤثرين فيّ وفيك من قادتنا الكبار.
أنا: أرأيت لم يكن فيما قلته أي أحجية.
هو: نعم، ولكنه فلسفة مغموسة بماء الأدب
أنا-ضاحكًا:هذه فلسفة الآن!
هو: منكم نتعلم، عموما عن ماذا تتكلم؟
أتكلم عن…
هو مقاطعا: برجاء أن تدخل بالموضوع مباشرة دون اسهاب.
أنا: لك ذلك. التقيته في عدة حالات منها حقيقية ومنها في الحلم ومنها في فضاءات الفكر الواسع وحلقات الذكر الروحاني.
كان يتأهب للنوم ودفعني أحد الاخوة للدخول عليه، وأنا بين الرفض والقبول فكيف أدخل عليه وهو يتأهب للنوم؟
قال لي: هو لا ينام إلا بعد أن أوافيه بالتقرير.
أنا: هذا أنت فكيف بي أنا؟
قال لي: هذه الفرصة المتاحة لك لتكلمه، وقد لا نجد لديه وقتًا أفضل لنعرض عليه هذا الأمر؟
أنا: أي أمر؟
قال لي: أمر انضمامك لقيادة قوات ال١٧ قوات أمن الرئاسة؟
أنا: أخ أبوياسر، أنت عرضته عليّ، وأنا لم أرَ أنني قادرٌ علىعاب
تحمل هذه المسؤولية.
قال لي: بل لديك، وأنت لها فلا تتراجع
هو: هل هذا هو ما طلبته منك أن تباشر الدخول في صلب الموضوع!
أنا: هذا صلب الموضوع، ولا يمكن أن ندخل فيه إلا هكذا فلا تقاطعني ودعني اتحدث بطريقتي.
هو-متأففًا: تفضل!
أنا: أبوياسر، هو أبوالطيب قائد قوات ال١٧ قوات أمن الرئاسة، لا تقل لي ما فهمت!
هو: بدأت أفهم.
أنا: كنت في تلك الأيام طالبًا بالسنة الثالثة في كلية الهندسة، ورئيسًا لاتحاد الطلاب، وكان هذا اللقاء بالنسبة لي هو الأول مع أبوياسر، فما بالك في حضرة الفصول المتبدلة في شخص واحد!
هو-متفكرًا: أظنني فهمت.
أنا: سأكمل، وكنت أعاني من ضغوطات يعانيها كل من يخلط بين السياسة والعمل النقابي والدراسة فيتوه الكتاب بين أجنحة المهرجانات والنشرات التوعوية وبين حفلات الطلبة وتقديم الخدمات لهم.
هو: هذا ما عانينا منه جميعا، مرحلة الطلاب، وكان الألمعي الذي يستطيع أن يوفق بين دراسته وعمله النقابي بالطلاب. وبالمناسبة كان لي صديق بالجامعة أدمن معيشة الطلبة حتى تجاوز سن الثلاثين وهو يفترض أنه يناضل أكثر من ١٤ عامًا وهو في دراسته الجامعية التي من المفترض أنها تستغرق أربع سنوات. لقد كان محمد الذي أسميناه أبوطافش يمثل بالنسبة لكل مستجد بالجامعة بمثابة الأب والدليل والمرجعية لكل تفاصيل البلد، عدا عن قدرته العجيبة في استقطاب الشباب للثورة الفلسطينية من خلال تصرفين شائعين هما كوب الشاي، وقلاية البندورة! وبالطبع من خلال حديثه الغني ووجهه الصبوح.
أنا: نعم، سمعت به!
هو-مكملاً غير عابئ بالمقاطعة: وعندما جاء في أحد الأيام الأخ أبو إياد (صلاح خلف) إلى البلد بزيارة سرية فلم يكن في استقباله إلا الرسميين في البلد وأبوطافش الذي سبقته شهرته، وكان صلاح خلف رجل زمن من الطراز الأول فعرف أن من بين مستقبلِيه الرسميين، وممثلي جهاز الأمن الموحد يوجد شخص ليس منهم، فلقد كان صلاح خلف يدقق في كل من يقابله أو ينتمي للجهاز.
ورغم سرعة الحركة في المطار وصالة الشرف التي فُتِحت لأبي إياد إلا أنه لمح أبوطافش بطرف عينه، فاقترب من أبرز مساعديه ليسأل عنه وهو مازال يسير في موكبه مسرعًا فنظر مساعده إليه فعرفه! انه الشخص الوحيد في البلد الذي لا تخفى عليه خافية وكأنه يقوم بدور السفير،حتى في الأمور السرية، الذي لم يكن متواجدا أصلًا لعدم علمه!
أبوإياد-متوقفا: أبوطافش مين؟
همس مساعده بأذنه شارحًا له خلفية بسيطة عنه في ثوانٍ معدودة حتى ابتسم أبوإياد وأشار له بيده أن اقترب!
أبوإياد: كيف حالك يا أبوطافش؟
أبوطافش: الحمد لله يا أخ أبوإياد
أبوإياد: كيف عرفت بمقدمي، ونحن لم نبلغ حتى السفير
أبوطافش: لي علاقاتي يا أخ أبوأياد
أبوإياد: طيب، غدًا نفطر عندك قلاية بندورة!
أبوطافش: حاضر يا أخ أبوأياد
وكان الوفد قد وصل السيارات ودخلوا في السيارات السوداء المعتمة بسرعة وقف عندها أبوطافش مبهوتا.
المهم أن الوفد نتيجة معرفة أبوطافش بوصوله كان قد غيّر من مقر إقامة أبوإياد لأن أمن البلد لم يعجبه الأمر.
أبوإياد لم ينسَ أبوطافش ولم ينسَ وعده رغم تغير الموعد للدواعي الأمنية.
تفاجأ أبوطافش بوصول ثلاثة رجال أمن قرعوا باب شقته وفتشوها فخاف على نفسه وتوجس شرًا، ليتفاجأ بضجيج أبواب السيارات السوداء تصل مع مجموعة من الرجال يتوسطهم رجل عفيّ، يتحرك بسرعة كبيرة لم يعتد عليها ويجتهد مرافقوه للحاق به، وبغمضة عين وهو ينظر لرجال الأمن في شقته والباب، فإذ بصلاح خلف شخصيًا في حضرة أبوطافش .
طلب أبوإياد من رجال الامن والمرافقين الخروج، وجلس على حافة سرير أبوطافش وطلب منه “قلاية بندورة”!
وكانت العدّة متوفرة دوما عند الرجل فلم تستغرق القلاية بضعة دقائق الا وهي جاهزة، وتكلم معه أبوإياد، ورغم علمه بسنواته الطويلة بالجامعة وعدم تخرجه لم يؤنبه ولم يزجره، بل سأله عن شؤون البلد والطلبة وعلاقاته وهو يعدّ طبخة “قلاية البندورة” الشعبية البسيطة، التي تقاسمها معه.
كان أبوطافش يترجف من الرهبة والخوف الممزوج بالفرح، وبعد أن أتم طعامه، وقبل أن يودعه أبوإياد قال له: سأراك متخرجًا بأقصى حد… العام القادم.
خرج أبوإياد كما دخل كنسمة هواء لا تعرف من أين دخلت وأين استقرت، وكان هذا اللقاء بداية انقلاب حياة “أبوطافش” الذي اعتبر كلام أبوإياد أمرًا تنظيميًا، فأغلق المطعم والمقهى المفتوح في بيته، والتزم التزاما مطلقا بما قاله “أبو إياد” وتخرج.
أنا: وبعد التخرج،ماذا حصل؟
هو: بعد أن علم أبوإياد بتخرجه أرسل له مبلغًا من المال هدية، أو حلوان كما يقولون وأصبح من أقرب المقربين له في ذاك البلد.
أنا:قصة مهمة تدلّل على عمق الالتزام الذي كان لنا بأولئك الروّاد الأوائل الذين كانوا قدوة وأسوة لنا.
هو: نعم، وذكرت قصته مقاطعًا قبل أن أنساها، فاعذرني!
أنا: لقد استمعت لك رغم المقاطعة، فاستمع لي.
هو: كلي آذان صاغية.
أنا:أين وصلنا؟
هو: كنت ستدخل مع الأخ أبوالطيب عند أبوعمار وهو يتأهب للنوم!
أنا فرِحًا: أراك قد عرفته؟
هو: ومن يكون مسؤولًا عن أبي الطيب غير أبوعمار مباشرة، أكمل.
أنا: بعد تردد طويل مني، فاجأني أبوالطيب بأن فتح الباب، فإذ أنا بمواجهة رجل قصير، متين البناء، بلباس النوم، حاسر الرأس مبتسم المحيا! كثعلب متأهب… نظر الى أبوالطيب وأشار له أن أدخل: وسأله عني هامسًا ولكني سمعته فالمسافة غير بعيدة: من هذا؟
فقال له: هذا عبدالحكيم الطلياني رئيس اتحاد الطلاب هنا، وأنت كنت قد وافقت على التجديد في قيادة أمن الرئاسة، وهذا أولهم وقد أحضرته لك لتقابله.
كانا يتهامسان ولكني كنت أسمع ما يقولان، وكأن أبوعمار قال له افعل ما تراه مناسبا فلك كامل الصلاحية والشباب هم المستقبل، ورحب بي وقال لي تفضل!
أين أتفضل؟ فلا يوجد في الغرفة الصغيرة الا سرير النوم! والرجل الأصلع المهيب أمامي أذهلني؟ فلم أرَ الهيلمان والقوة والعنفوان بقدر ما رأيت ابتسامة الأب الحاني ودعوة ممزوجه بالقبول.
كان هذا الموقف بالنسبة لي أشد وطأة من موقف أبوطافش مع أبوإياد فكيف لمثلي أن يقابل ابوعمار منفردًا!
ومع القائد أبوالطيب؟
لقد كنت في قمة الاضطراب بين مشاعر الاعجاب والانبهار من جهة، وبين التردّد في قبول المطلوب من أبي الطيب، وخشيت أن يقوم أبوعمار بإلزامي بما طلبه مني أبوالطيب.
أبوعمار مبتسمًا: تعال يا طلياني.
………..
أبوعمار: ماذا تدرس؟
أنا: هندسة الكترونية
أبوعمار: لها المستقبل.
أنا:…..
أبوعمار: كيف دراستك؟
أنا: نص نص و….
أبوعمار: أنا عايزك تتخرج بامتياز!
لقد كان هذا الطلب بنفس صعوبة أن أكون بقيادة قوات أمن الرئاسة، ولكني حمدت الله أن الأخ أبوعمار لم يحدثني، أو يأمرني، بأن أكون في قيادة الجهاز الذي يشرف عليه مباشرة.
شدّ أبوعمار على يدي، وقال: عايزك متفوق.
خرجت، لا أدري كيف خرجت وكيف دخلت!
وحينها قال لي أبو الطيب: لقد أنقذك أبوعمار فلم يُلزمك بما طلبته منك، بمعنى أنه جعل لك الخيار.
تنفستُ الصعداء.
كتابٌ مهما كان الثمن! (مع أبوالطيب)
في تونس حيث مقر القيادة الفلسطينية، يجب أن يتم وضع اسمك مسبقًا في مطار قرطاج تونس وإلا لن تتمكن من الدخول حيث إن الموافقة من سفارة فلسطين تعد شرطًا مسبقا لموافقة الأمن التونسي.
تصل الى المطار وتتجه الى مسرب خاص بالفلسطينيين مهما كان جواز سفرهم وبعد التيقن من الموافقات الأمنية يتم طباعة الاقامة او التأشيرة المؤقتة على جواز السفر.
غالب الزوار من الفلسطينيين الى تونس يستقبلهم أحد الأجهزة التابعة للمنظمة أو لحركة فتح أو لأحد الفصائل ويتم استقبالهم في واحدة من المضافات العديدة المنتشرة في العاصمة التونسية.
المضافات التابعة للمنظمة وللرئاسة الفلسطينية منتشرة في كل مكان وغالبا ما كنت أحل ضيفا على احداها بصفتي رئيس اتحاد الطلاب في الفرع، ولكن هذه المرة كانت الدعوة لحضور احد اجتماعات المجلس الأداري للاتحاد العام لطلبة فلسطين فكان نزل ابن خلدون هو النزل الذي جاورت فيه الاخوة من أعضاء المجلس الإداري في الاجتماعات التي كانت تستمر ليومين أو ثلاثة ونزور فيها القيادات الفلسطينية ونتحاور مع زملائنا من كافة الفصائل.
يومها اتصل بالمضافة أحد الأخوة من قيادة قوات ال١٧ يسأل عني، ولما كنت في اجتماعات المجلس الإداري، ولم يبلغني أحد من المضافة قدم الأخ المكلف ليطلبني من داخل الاجتماع فنظر لي كل من بالاجتماع بين باسم وفاغر فاه!
كانت العلاقة مع الأجهزة الأمنية يشوبها الحذر، خاصة بالنسبة لنا كطلاب، لا سيما وأن النقابات والاتحادات والمؤسسات المختلفة تتقاطع فيها وتتشابك العلاقات التنظيمية مع السياسية بين مختلف الفئات، بين الجماعة المنتمية لهذا القائد أو ذاك، فهؤلاء من جماعة أبوالعباس، وهؤلاء من جماعة جورج حبش أو عبدالرحيم ملوح، وأولئك من جماعة أبوإياد أو أبوالهول أو أبوالطيب في حركة فتح.
صدمت من الطلب فلم أكن أتوقع ان يطلبني جهاز أمن الرئاسة، وأنا أصلا لست منتمٍ له! فأنا من جماعة التنظيم أي جماعة أبوماهر غنيم كما كانوا ينعتوننا!
والعلاقة المباشرة مع الجهاز الأمني دون علم رأس الجماعة، مدعاة للقلق والشكوك والتجنب!
نظرت حولي محاولا التأكد أن لا أحد آخر بنفس الاسم، فلم يكن غيري فأنا عبدالحكيم الطلياني ولا أحد غيري!
خرجت من قاعة الاجتمعات وكل الأعين مركزة علي فكيف لهذا الغرّ حديث السن أن يكون مرتبطًا بأحد أهم الأجهزة بالثورة الفلسطينية والتابع مباشرة للرئيس أبوعمار!
أنت عبدالحكيم؟
نعم.
الأخ أبوالطيب يريد لقاءك اليوم؟
احترت ولم أرد، فلم أكن أعلم بأني لي موعد مسبق معه! ولم أكن قادما الى تونس الا لاجتماع المجلس الأداري لاتحاد الطلاب فمالي أنا وأبي الطيب؟ كانت هذه الأفكار تراودني وظننتها لحظات ثقيلة كما ظنّها ممثل الجهاز الذي كان مستعجلا كما بدا لي، ولما لم أجبه.
قال: سنمر عليك الساعة الثانية صباحا، لنأخذك الى الأخ أبوالطيب!
ثم أسرع بالنزول… دون أن يسأل عن عنوان المضافة أصلا، وأظنه لا يحتاج ذلك! ودون أن ينتظر موافقتي من عدمها، ولم تكن صدمتي من الأسلوب بمقدار الموعد المحدد وهو قريب الفجر!
عدتُ للاجتماع لتختلف النظرة التي كان المجتمعون ينظرون بها لي من الاستصغار والاهمال الى نظرة الاعجاب، أو نظرات الغيرة من البعض، فالعلاقة مع جهاز ال١٧ في حدها الأدنى صلاحيات، وقرب من الرئيس أبوعمار، أضافة لامتيازات أخرى!
بين تونس العاصمة في المنزه السابع الى حي قرطاج مسافة طويلة قد تأخذ بالأحوال العادية ٢٥ دقيقة ولكن في حالتنا هذه قطعتها السيارة التي ركبتها بفترة زمنية قصيرة جدا لم تتجاوز الدقائق السبعة! ربما لأن الوقت بعد منتصف الليل وقريب الفجر، وللسرعة الجنونية التي كان يسوق بها سائق السيارة وكأننا في سباق سيارات! والميدان شبه خال!
في مقر قوات أمن الرئاسة في قرطاج دخلت بالموعد المحدد، وجلست في أحد الأركان وتدور في رأسي عديد التساؤلات والأفكار المتراكبة حول السبب والغاية، ومر بي الوقت بين المشاريب المعتادة المتنقلة بين القهوة السوداء وبين الشاي أو “التاي” التونسي الأخضر اللطيف.
خرائط عديدة معلقة في صدر الغرفة، وأبواب تفتح وتغلق، وأصوات سيارات قادمة وسيارات مغادرة وأصوات صاخبة عرفت لاحقًا انها من مميزات أفراد قوات ال١٧ الذين كانوا يتمتعون بالثقة والجسارة الى حد التهور أحيانا، وأحيانا ماكان فيهم الزعران والأشقياء -كما رأى ذلك البعض- لأنهم كانوا ينفذون المهمة دون سؤال وينفذوها بحذافيرها.
في الساعة الثالثة صباحا دخل الأخ أبوالطيب بوجهه البشوش، وأسلوبه الودود وكأن لكل شخص من إسمه نصيب، وسلم عليّ، وسأل عن الأقامة في تونس هل هي مريحة أم لا؟ كما سأل عن المتطلبات المالية فحمدت الله.
من ابتسامته وحديثه أدركت أنه لربما سيعود ويفاتحني في أمر الانضمام للجهاز٫ وكنت خائفا من ذلك ومن الرفض فأنا الأن في قبضته!
ولكن لحسن الحظ أن الكلام اتخذ منحى أخر وهو المنحى الثقافي الذي استنكرته في البداية ظانًا أنه تمهيد أو (جرة رجل ) كما يقولون.
طلب مني مجموعة من الكتب، أبرزها ثلاثة شدد عليها كثيرا، وقال لي أنه سيرسل المبلغ لممثله في البلد التي أقيم بها فلا تقلق من الثمن مكررا مهما كان الثمن.
خرجت من الاجتماع مرتاحا وكأن جبلا من الضيق قد أزيح عن صدري فالمهمة سهلة وأنا لها.
(كتبت في عام 2020 ونعيد النشر في 2026م)