في الرد على مقال الشهادة والحزن

*الاخ المفكر العربي الفلسطيني د.بكر ابو بكر…حفظه الله ورعاه….*
*بقلم الاعلامي د. رضوان عبد الله*
أجد مقالك عن استخدام مفهوم الشهادة في سياق العدوان على غزة مثيرًا للاهتمام ويستحق التفكير العميق.
لقد طرحت مجموعة من النقاط التي تناقش استخدام هذا المفهوم بشكل يمكن أن يكون ضارًا ويحتاج إلى مراجعة.
قبل ان ابدأ معك، أود القول بانني استمعت لعدة محاضرات وخطب جمعة للعديد من الائمة او المشايخ اوالعلماء…والذين يؤكدون على ان قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار…استنادا الى حديث نبوي شريف…وكلما ازداد عدد الضحايا في غزة خصوصا، وايضا في الضفة الغربية والقدس ، كلما تشدد الكثير من الخطباء على ان قتلانا بالجنة وقتلاهم في النار….ويعطون العشرات من الامثلة ان الحروب والمعارك لا بد من تضحيات جسام وصولا للنصر ….ويعطونك امثلة عن معارك للمسلمين ولغير المسلمين انتصروا فيها لكن كان الثمن غاليا وعدد الضحايا بالملايين وليس بعشرات الالوف كما هو حاصل في غزة اليوم…. عشرات الالوف عدد بسيط مقارنة بعشرات الملايين كما يقول الكثيرون منهم…..مع الفارق نسبيا بعدد الضحايا لاهلنا في غزة لان عدد السكان كله اقل من مليونين او ربما على الاكثر يصلون الى مليوني نسمة….!!!
انا معهم بأن الحديث صحيح ، والرسول العظيم ، نبي وصديق، وقدوتنا بالقول والعمل، لكن بكل اسف الكثير من الخطباء والعلماء الاجلاء الاكارم يتخذون الحديث النبوي الشريف مطية كي نركن الى اضعف الايمان، حيث اننا لا نستطيع ان نعمل شيئا لاهلنا في غزة وبقية فلسطين سوى الدعاء لهم والرحمة لارواح الضحايا، كما يقولون في خطبهم البكائية ، ولكنهم ((احياء عند ربهم يرزقون….)))، كما جاء بالقرآن الكريم… ونحن عامة الشعب نعلم وندرك ذلك ونؤمن به حق اليقين، ولكن هذه ايضا حجة على كل الحكام والخطباء والعلماء بالتقصير بحق اهل غزة وفلسطين والتهرب من مسؤولية نصرتهم…ويستعملون ((اضعف الايمان ))، للتهرب من المسؤولية الدينية والانسانية والاخوية تجاه الفلسطينيين عموما واهل غزة على وجه الخصوص.
اما بالنسبة للنقاط التي طرحتها في مقالتك المهمة والجريئة والمفيدة، فأنا معكم بالقول السديد الذي أوردته لأقول مؤكدا ومثنيًا على رأيكم وفكرتكم وتوضيحكم، لازيد توضيحا من بعد إذنكم….
أولا…التضحية والشهادة:
إن التضحية بالنفس في سبيل الوطن والدين تتطلب تجهيزًا واستعدادًا، وهي ليست دعوة للموت المجاني. الشهادة في الإسلام مرتبطة بالجهاد الذي يتطلب النية الصادقة والإعداد اللازم، وليس مجرد الوقوع ضحية للعدوان.
ثانيا …الحماية كواجب أساسي:
على القادة والمقاتلين أن يتحملوا مسؤولية حماية المدنيين، وليس فقط تشجيعهم على قبول الموت كنوع من الشهادة. واجب القادة يتضمن الدفاع عن الشعب وتعزيز صمودهم على الأرض، وليس الترويج لفكرة أن الموت المجاني هو شهادة.
ثالثا…إدانة الجرائم وتعزيز الوعي:
في الخطابات السياسية، من المهم التركيز على إدانة جرائم العدو وطلب محاسبته، بدلاً من تقديم الموت كهدية أو نعمة. يجب أن يكون هناك توازن بين تعزيز الروح المعنوية وبين تحميل العدو مسؤولية أفعاله الإجرامية.
رابعا…الاستفادة من التضحية:
يجب أن تكون الشهادة دعوة لمزيد من المقاومة والكفاح، وليس للاستسلام والخضوع. استخدام الشهادة كوسيلة للتحفيز يجب أن يركز على الاستعداد والتجهيز لمواجهة العدو، وليس القبول السلبي للموت.
خامسا…الاحترام للحياة:
الإسلام يدعو إلى احترام الحياة وصيانتها، والموت يجب أن يُعامل بحزن واحترام، وليس بالفرح والاحتفال. الفرح بالموت يمكن أن يُساء فهمه كدعوة للانتحار أو التقديم الطوعي للقتل، وهذا يتعارض مع مقاصد الدين.
سادسا…توضيح المفاهيم:
من الضروري إعادة صياغة الخطابات لتوضيح أن الشهادة هي نتيجة للمقاومة والدفاع، وليست نتيجة للقتل العشوائي. يجب أن يتم التأكيد على أهمية الحياة والجهود المبذولة لحمايتها.
سابعا…الدعوة للتجهيز والاستعداد:
يجب أن يكون الخطاب داعيًا للاستعداد والتجهيز لمواجهة العدو، وليس قبولًا للاستشهاد المجاني. الفدائي الذي يحمل روحه بيده يستعد بكل ما يملك للدفاع عن وطنه وشعبه.
ثامنا…الشهادة في إطار النضال:
يجب أن يكون مفهوم الشهادة مرتبطًا بالنضال الفعلي والمواجهة المسلحة المنظمة، وليس بالقتل العشوائي للمدنيين. الجرائم ضد المدنيين يجب أن تُعامل كجرائم حرب تستوجب القصاص.
تاسعا…إدارة المشاعر الإنسانية:
من الطبيعي أن نحزن على فقدان الأحبة، وهذا لا يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر. الحزن هو جزء من الإنسانية ويجب احترامه وتقديره.
عاشرا….الحياة بحرية وكرامة:
يجب أن يكون هدفنا الرئيسي هو الحياة بكرامة وعدالة، والتضحية يجب أن تكون في إطار الدفاع عن هذه القيم. الحياة هي هبة من الله ويجب أن نعيشها بحرية وكرامة، وعلينا الدفاع عنها بكل الوسائل الممكنة.
نقول لكل اخوتنا العلماء والخطباء والحكماء…ايضا نقول للجهلاء… نعتقد أن إعادة النظر في الخطاب السياسي والديني حول مفهوم الشهادة يمكن أن يسهم في توجيه الصراع نحو تحقيق العدالة والكرامة، بدلاً من تعزيز ثقافة الموت والاستشهاد المجاني….
كما نتمنى ان يدعو علماء الامة الى الجهاد المقدس…تلبية لنداء الملك العربي الراحل فيصل بن عبد العزيز رحمه الله…. دفاعا عن القدس وفلسطين …بدل النوح والندب على القتلى من الاطفال والنساء والشيوخ….وما النصر الا من عند الله
فما ينطبق على ضبابية مفهوميّ الإنتصار والهزيمة بين إسرائيل وحماس في غزة ينطبق أيضاً على مفهوميّ الشهادة والضحية ، ولكن هنا يجب أن نميز بين المفهومين في إطار الفهم الغربي الملتبس:
فعندهم (أي المجتمعات الغربية) مفهوم الشهادة مرادف لمفهوم الجهاد ومفهوم الجهاد مرادف لمفهوم الإرهاب ، وهذة أفكار عمل الإعلام الإسرائيلي والإعلام الغربي جاهدا على تكريسها في ثقافة المجتمع الغربي.
بينما مفهوم الضحية أو الضحايا في كل الثقافات والأعراف والأنظمة والقوانين واضح ، فهم الذين يسقطون نتيجةً للإعتداء عليهم من قبل قوة غاشمة، وهو فعل مدان من المجتمع ويجب محاسبة من يمارسه.
وبالتالي نحن نخدم إسرائيل وحلفاها من حيث ندري أو لا ندري بالخلط بين المفهوم، بل وأزيد وأقول أن هذا الخلط متعمد من قبل البعض لتبرئة إسرائيل من دماء الضحايا الأبرياء أمام ثقافة المجتمع الغربي.
فحذاري من الإستخدام المفرط لمفهوم الشهادة على حساب مفهوم الضحية… حتى أننا أصبحنا نستخدم برامج محوسبة لتغيير صور الضحايا الأطفال وغيرهم من خلال إلباسهم البدلة العسكرية وتحميلهم سلاحاً لا يعرفون عنه شيئً ووصفهم بألقاب تدينهم هم وعائلاتهم وتبرر لإسرائيل إستهدافهم.
إذا أردنا محاسبة إسرائيل وغيرها يجب أن نعطي المفهوم حقة فنحن بالأساس ضحايا للممارسات الإسرائيلية منذ إحتلال العام ١٩٤٨ وقبله الإنتداب البريطاني .
ومن حق الضحية علينا أن يحاسب المعتدي عليها لا أن نقوم بتوفير مسوغاب البراءة له.
كل الشكر والتقدير للأخ د. بكر على جرأته في طرح مسائل لا يجرأ عليها آخرون.
د. عبدالله النجار