غير مصنف

التنظيم والقوة وعضو التنظيم السياسي

 

في معنى القوة تتعدد المفاهيم والطروحات والتعريفات فهناك من يعتبر القوة بامتلاك السلطة تحديدًا، أو أن القوة كامنة بالموقع والمركز والمنصب أو هي بالعلاقات وحجم النفوذ داخل المؤسسة، وهناك من يعتبر القوة  مفهومًا يمثل القدرة على الإرغام والفرض وإجبار الآخرين لفعل ما يريده الشخص، وهناك من ينظر للمال باعتباره القوة الأساس.

 كما أن هناك نظرة آخرى للقوة بأنها القوة العسكرية المادية، المقترنة بقوة الجبر والإكراه والقسر أو التهديد بها، وهكذا تجد العديد من المفاهيم التي تخلط بين مفهوم القوة وعواملها أوأشكالها.

ولكن في جميع الأحوال فإن القوة كمصطلح –بعيدا عن علم الفيزياء- يمكننا تعريفها حسب القاموس بأنها: القدرة على التصرف وإحداث التأثيربالآخرين، وتعرف بأنها حيازة السلطة أوالسيطرة والتحكم. وهي أيضًا فرض إرادتك على الآخرين. وهي قدرتك على الفوز بصراعك الداخلي.

ومفهوم القوة اجتماعي لأنه مرتبط بالأشخاص وطبيعة العلاقات بينهم، والقوة ليست مطلقة بمعنى أنها تتغير بتغير الظروف الداخلية والخارجية، وفي ذات الوقت فإن التأثير للقوى قد يكون متبادل أي أن كل طرف يمكنه أن يؤثر في الطرف الآخر، كما أن كل طرف يمكن أن يساعد أو يعيق الطرف الآخر، وتستخدم القوة غالبًا للدفاع عن المصالح.

 في الدولة والمجتمعات عامة هناك القوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، وقوة التقانة (التكنولوجيا) وقوة العلم والصناعة والزراعة، والقوة المجتمعية بالوحدة الوطنية والتآلف والحوار وسيادة القانون والديمقراطية، والقوة السياسية بالتشريع والقانون والقضاء وتوازن المؤسسات، وقوة النفوذ أو التمدد أو السيطرة على الدول الاخرى، وقوة الموارد والامكانيات بما فيها البشرية والصناعية والتقانية والقدرة الإدارية للموارد وقوة الرؤية واستشراف المستقبل، وبناء العلاقات الداخلية والخارجية …

وفي العلوم الاجتماعية والنفسية وأيضًا بالعلوم السياسة والتنظيمية، تعتبر القوة هي الإنتاج الاجتماعي لتأثيرما يحدد قدرات الفاعلين أو أفعالهم أو معتقداتهم أو سلوكهم.

وفي الحقيقة فإن القوة ليست خارجية دومًا أي خارج ذات الانسان، فهناك القوة الذاتية في شخص الفرد وهي هامة جدًا، وهناك القوة الخارجية القادمة من عامل خارجي (ظروف خارجية) كدولة أو حكومة أومؤسسة او تنظيم او شخصية قيادية أو شخصية عامة (اجتماعية، رياضية، سياسية، فنية…الخ)

وللأفراد قواهم الداخلية (العقلية والنفسية والروحية) ما يجب استثمارها بالشخص كحافز ودافع أساس مقابل القوة الخارجية.

في الأثر الحضاري الإسلامي يقول عليه السلام “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز” حيث تظهر القوة الذاتية مرتبطة بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى والإرادة المقابلة للعجز، كما تظهر قوة الدولة والمجتمع والأمة ضمن الآية الكريمة (وأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) والتي تحتمل كل أشكال القوة وأنواعها مما ذكرنا، بدلالة التخصيص اللاحق بالآية باعتباره أحد الأشكال أي (ومن رباط الخيل).

وفي إطلالة على أنواع القوة في التنظيم السياسي وفي داخل المجتمع تخصيصًا يمكننا النظر بالآتي

القوة الشرعية في التنظيم: نجد في السياسة والمجتمع وفي التنظيم القوة الشرعية: وهي سلطة  الشخص (القائد أو المسؤول في موقعه) بسبب الموقع/المركز/المنصب النسبي وواجبات صاحب المنصب داخل المنظمة/التنظيم. وهذه السلطة الشرعية هي السلطة الرسمية المفوضة إلى صاحب المنصب حسب النظام/القانون. كقوة اللجنة المركزية لحركة “فتح” أو المكتب السياسي “للجبهة الشعبية” التي يمتلكها الأعضاء كمجموع أو أفراد استنادًا لصلاحياتهم حسب قانون/النظام الداخلي للتنظيم وهكذا في الأطر الأدنى.

قوة المرجعية والنموذج: نجد أيضًا في التنظيم السياسي قوة القدوة والنموذج، أو قوة المرجعية، أو قوة التأثير والجاذبية (الكاريزما) الشخصية اللامعة المرتبطة بميزات وقدرات واخلاقيات ومهارات ذاتية، أي ما يعتبرها الشخص المتأثر بها نموذجه الذي يسير خلفه كقدوة ومثل أعلى، وهو هنا أي المتأثر قد يسير تحت تأثير القوة التأثيرية والجاذبة للشخصية بوعي، أو كتابع بلا وعي حيث الانبهار والالتحاق، ما يرغبّه أن يتماهى ويقلّد هذه الشخصية ويدين لها بالولاء.

وهذه القوة قد تمكّن الشخص من تشكيل حالة أو تيارفكري أو سياسي، أو ولاءات قوية للمنظمة، أو حول شخصه هو وما يطرحه في سعي لزيادة تأثيره ونفوذه كما كان في مساحات التيارات سابقًا في حركة فتح من جماعات بين يسار ويمين أو قوة ما سمي في مرحلة من المراحل الأبوات (جمع أب) أو ظاهرة الاستزلام التي يقابها اليوم الشللية.

قوة الخبير:  نجد في التنظيم السياسي قوة الخبير أو المجرب المرتبطة لدى العرب بالمثل الشهير (إسأل مجرب ولا تسأل طبيب) كمثال. و هي قوة الفرد المستمدة من مهارات أو خبرة الشخص واحتياجات المنظمة لتلك المهارات والخبرات. وللخبراء احترام ونفوذ على الأعضاء بالتنظيم سواء أكانوا خبراء بالفكر والتنظير، أو الخبراء بفن الحديث والخطاب والاقناع، أو الخبراء بإدارة الإطار أو إدارة الاجتماعات والمؤتمرات، أو الخبراء بالعمل التنظيمي الميداني او التعامل مع الناس. 

ومن أشكال قوة الخبرة تلك المهارات الصلبة (التخصص)، والمهارات الناعمة (إدارية ذاتية عقلية…) المتوجب الإطلالة عليها وتعلمها وتنميتها في ذات ومسار عمل كل فرد داخل التنظيم السياسي.

في حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” على سبيل المثال اتسمت قوة خالد الحسن وماجد أبوشرار وكمال عدوان وهاني الحسن وصخر حبش وعباس زكي… بصورة أساسية بالفكر والثقافة والعلاقات، بينما كانت بأبي جهاد-خليل الوزير بحراكيته وانسانيته وعمله الدؤوب وبصلاح خلف-أبوإياد بتأثيره الطاغي المستمد من شخصيته الحاضنة، وبخطابه المعارض القوي الجهوري، وفي ياسر عرفات بالكثير الذي منه أنه كان يسبق الجميع دومًا ليس بخطوة واحدة وإنما بخطوات وهكذا.

القوة المعنوية مقابل المادية/المكافأة: قد نجد في التنظيم السياسي أيضًا قوة المكافأة: وهي إما مادية أو معنوية والقوة المعنوية هي الأكثر تحقيقًا للهدف من تلك المادية لأنه كثيرًا ما يتم استخدام القوة المادية (موقع، منصب، أموال، توظيفات، خدمات…) بشكل يُبعد التنظيم السياسي عن حقيقة واجباته، أما القوة المعنوية فتجدها بكرم الثناء والشكر والذِكر والثقة والإشادة والاحترام والمحبة للآخرين.

قوة القانون/النظام: قوة النظام الداخلي في التنظيم السياسي مرتبطة بالحقوق والواجبات والمسؤوليات والصلاحيات المنصوص عليها. ويعتبر الخروج عنها وعن الصلاحيات أوبنود النظام والقانون وقرارات القيادة، سببًا يجعل من العقاب (أو القوة القسرية) بدرجاته قابلًا للاستخدام، وهنا من المتوجب الحذر الشديد حين استخدام مثل هذه القوة لأن البتر في التنظيم السياسي له من العواقب الكثير، لذا يرجح دراسة الايجابيات والمزايا مقابل السلبيات والعواقب حين اتخاذ قرار ما بالحد الأعلى من العقوبة مثل الفصل او الفصل مع التشهير.

وهنا وفي داخل التنظيم السياسي فإن كل شخص من الأشخاص يستخدم عوامل مختلفة للتأثير بالآخرين وبالتالي للتأثير في القرار، وقد يكون للشخص نفوذ (قدراته وسمعته والنظرة له) أي سلطة معنوية ما مؤثرة، وقد يكون له صلاحية مرتبطة بالقانون أو النظام، وربما يستعين بغير ذلك. 

قوة الالتزام: إن الالتزام بالتنظيم الثوري والسياسي يعني الانغماس والانخراط والتكرس للقضية الأساسية -وفي حالتنا الفلسطينية فالقضية الأساس تحرير فلسطين- ويعني شغل النفس والوقت والجهد الأقصى لتحقيق الأهداف، ويعني الإيمان بالتضحية والنصر. ويعني الالتزام أيضًا الحفاظ على ديمومة الفعل تحقيقًا لأهداف التنظيم.

ينشأ الولاء والانضباط مقرونًا بالالتزام، فالانضباط  يكون للوائح والقوانين، والولاء ذو الطابع العاطفي مرتبط بالانخراط والانتماء للمنظمة وللأهداف وقد يرتبط أحيانًا بأشخاص.

إن الالتزام يأتي هنا معنى ذو 3 أبعاد: بُعد نفسي عاطفي، وبعد تفاعلي، وبعد مصلحي.

ففي البعد العاطفي يقتضي الالتزام الإيمان الصلب بالفكر والأهداف والنظام/القانون، ويقتضي البُعد التفاعلي داخل التنظيم أن يجد الشخص ذاته عبر المناخ التنظيمي والقيادي المشجع وقدرته على التعبير عن آرائه برحابه ومشاركته بالقرار، ومن خلال المناخ الإيجابي الحافز للعطاء. أما البعد الثالث للالتزام وهو البعد المصلحي فهو يبرز حين تقترن مصلحة الشخص بمصلحة التنظيم (المجموع) فيصبح الخروج من التنظيم أو على التنظيم (المجموع) صعبًا ومرفوضًا ضمن تقدير الفرد للمصالح والمكاسب التي يحققها له وللقضية، مقابل المخاسر.

وقد نجد أيضًا في التنظيم السياسي قوة المعلومات، قوة مالك المعلومة أو قوة القادر على التحليل الصحيح والرؤية والبصيرة، وقدرته على معالجة المعلومة في جهة، وخاصة حاليًا في ظل الدفق الفضائي الهائل للمعلومات عبر الفضائيات والشابكة (انترنت) الذي يفترض بالشخص القوي قدرة جبارة على التنخيل والفلترة ثم المعالجة والتحليل في ظل امتلاك المنهج والرؤية.

إضافة الى قوة العلاقات، ومن يبني هذه العلاقات يستطيع أن يتقدم الى المراكز أو المواقع العليا لامتلاكه قوة الاتصالات وبناء العلاقات مع الأعضاء، وخاصة الأعضاء النافذين او مفاتيح العلاقات، تلك التي يستخدمها في الانتخابات والمؤتمرات الداخلية أو الخارجية.

إن قوة الشخص داخل المجتمع وداخل التنظيم أساسية لأنها تشكل الكامن فيه، ما يمده بطاقة البناء والنهوض والاستمرار، ويحثه ويحرضّه ويحفّزه على العمل، فمن لم يمتلك القوة الداخلية ستجده مستسلما تابعًا خانعًا، ومن امتلكها سترى في طلعته عنوان الإصرار والصمود والمثابرة والاستمرار.

يقول الله تعالى (خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)  وحسب التفسيرات المختلفة أي خذه بجدية، أو بحرص واجتهاد بمعنى أن القوة هنا حسب الآية الكريمة عنت أهمية الجد والحرص والاجتهاد وهي بالفعل من عوامل القوة الذاتية والصلابة في مواجهة المِحن الذاتية والخارجية.

والله سبحانه وتعالى هنا يطالب يحيى عليه السلام -ومن ورائه الناس وخاصة ذوي العزم- أن يتخذ الكتاب بحرص على مضمونه الإيماني الصلب، وبإرادة واقتدار ولا يتراخى بل يتحدى، وبشيء من التفكر يطالبه أيضًا بأن يكون ذو عزيمة وعمق وصلابة تدفعه لصنع المنهج الرسالي والخط والهدف.

الشخص أو العضو القوي في المجتمع أو التنظيم السياسي قد نراه بالتالي:

المؤمن: بالفكرة والعقيدة والهدف

المحب والمتفائل: ما يدفعه للتلاقي والتحاب والتجاور والحوار مع الآخرين

العامل الجاد، المعطاء، المحسن بالحديث والسلوك: وهو الشخص الذي يدعم كلامه بالعمل، بل يجعل العمل سابقًا ما يؤيده به كلامه لاحقًا والتزامه، وهو الجاد غير العابث.

المتفهم: الشخص المتفهم شخص رحب لأنه جعل من قوته النفسية في صالح قوته العقلية، فلا ينبذ الآخرين المختلفين بل يتفهم الاختلاف وقد يصر على رأيه ويحاجج به لكنه لا ينبذ صاحبه بل يحترم اختلافه في إطار فكر الرحابة والاتساع والمرونة.

الصامد الثابت المرابط: وأبرز نموذج لهذا الشخص القوي ليس تعصبًا وإنما حقيق هو العربي الفلسطيني اليوم الثابت على أرضه الفاقد للقوة العسكرية الموازية مقابل القوة الداهمة الصهيونية لكنه المُفعم بالايمان والتفاؤل والعمل لتحقيق انتصاره، وبتفهم الاخ للاخ ثم المنزرع بأرضه كالجبال لا تهزه الرياح.

مالك الرؤية والشجاعة والمقدام: وفي هذه الصفات إظهار للقوة الذاتية ، وتستطيع الشخصية الشجاعة ضمن صفات أخرى أن تؤثر وتجذب وتتحول الى قدوة.

الثقة بالنفس، وعكسها على الآخرين: أيضًا قوة ولها من المقومات الكثيرة من المصداقية والمسلكية والشفافية والتراكمية.

إن القوة بأنواعها المختلفة عامل هام يجب دراسته ويجب أن يتم مراكمته داخل التنظيم السياسي، وفي المجتمع، وللفرد فيه ضمن عقلية الفريق أو المجموع تحقيقًا لغاية كبرى تكون هي مرجعية الالتزام وهي المقياس والمدد. إن القوة المادية والنفسية والروحية من عوامل النصر بإذن الله.

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى