غير مصنف

قوة الصمت بين الاستمتاع والإبداع

تعرفتُ على قيمة الصمت من عدد من الحالات التي عشتها في حياتي العملية ومن قراءاتي المتنوعة، فلم يكن للخطاب أو للحوار أو للحديث المؤثر وحدَهُ أن أعطى أثره، بل والصمت أيضًا حين يتخذ الدماغ وضعًا مختلفًا يُراقب فيه، ويستمع جيدًا، أو يركّز، ويتأمل. أويدير عيني رأسه بين الوجوه ليتفقدها، أو حين يرسل إشارات محبة أو إشارات توتر او تخويف أو تحذير، أو حين تقدح عينيه الشرر.

إذ أن للصمت كل المعاني التي يفرضها الشخص في الموقف المقصود.

وفي الصمت تجدُ الكثيرَ حين تكون العيون بديلًا للخطاب الشفوي، أو حين تكون لغة الجسد متآزرة مع صمت اللسان فتقول ما لا يستطيعه الكلام.

في العزلة عن الناس إيثارٌ للصمت، وفي الاختلاء مع الطبيعة تحبيذٌ لصوت حفيف الشجر والطيور الصداحة على صوت البشر، بل ويكون لصوت الحيوانات قوة التأثير في الصدر الوارم بأوجاعه، والنفس المخلصة ولكنها المثقلة بالهموم المتراكمة.

الصمتُ فضيلةٌ أيضًا حين يكون الكلام في اتجاهاته المختلفة رفضًا أو قبولًا يؤدي الى مهلكة أويُفسر خطأ.

وفي الصمت من ناحية أخرى عبادة، لأنه أساس الصلوات في كافة الأديان حين يربط المؤمن ذاته بحبل وثيق مع الخالق (الخشوع) فيعزل ذاته عن المحيط وعن كافة المشتّتات في داخل نفسه ومن المحيط ليُقبل على الطاعة بروحية المحب الذي يستسلم للدفقات الروحانية من جهة، وللإلهام القادم مع تجول الذهن بين شتى الصور ومختلف التنقلات التني تعيشها.

في الصمت مقدرة على التخلص من الضغوط اليومية بإطلاق العنان للمخيّلة الصورية ما هو مجلَبة للراحة، وشكل من أشكال التأمل (في التأمل تجوال بين الصور المريحة، وفي التفكّر اصطياد للأفكار من دفقاتها النابضة).

في الصمت إطلاقٌ لعنان الأفكار المتدفقة سواء المتوافقة منها أو المتصارعة لتقول ما لم تستطع قوله بلسانك، في ظل الصخب والضجيج وسيل المشتتات الدافق بلا هوادة على رأسك المثقل بشتى أشكال الرياح العاتية وقصف الرعود.

إن التفكّر والتدبر والتأمل مدخلٌ واسع للراحة النفسية ثم للإبداع.

خطأ وجريمة

اقترفت خطأ، وأنا بالسنة الأولى الجامعية، وعلِمَهُ والدي من غيري، فلم يراجعني ورغم أنه كان خطأ بسيطًا إلا أن انعكاسه على العائلة وقع في قلب والدي موقعًا صعبًا جعله يمتنع عن الكلام معي لفترة طويلة عرفتُ حينها معنى التأنيب من مدلولات الصمت.

دفعني هذا الموقف الصامت لوالدي للتفكير بالبدائل واجتراح الحلول فتعلمت الصمت أيضًا وإن بشكل تحفيزي وليس تقريعي.

ولولا مبادرتي بالاعتذار من الوالد -لما علِمه ولم يقُله- مع تبيان الحقيقة، لما كنت أتحدث في هذا الموضوع الآن.

طرحتُ فكرة المقال على العلن في منشور بالجملة التالية لي: “الكلام حيث يجب فضيلة وكذلك الصمت. لاسيما ونحن نعيش اليوم عالم الصخب من كل مكان. في الصمت عبادة وفي الصمت حُسن استماع، وتركيز، وفي الصمت سلامٌ مع النفس، وفي الصمت تفكّر قبل الكلام، وفيه تأمّل، وفي الصمت التقاط للأفكار وترحال وتجوال بين الدفقات، وفي الصمت تفقد للمشاعر وفيه خشوع كما أن فيه حسن اختيار للتصرف. وفي الصمت محبة حين تتكلم العيون”

فكان أبرز التعليقات ترفض الصمت (بمعنى السكوت عن الحق لديهم) بفرضية تعاملهم مع مقام التصدي وشجاعة الحق ما أوافق الأخوة والاخوات به بالطبع ، وما كنت قد أشرتُ عليه ببداية المنشوربقولي “الكلام حيث يجب فضيلة وكذلك الصمت”.

ولما كان مقامنا هنا الحديث عن فضيلة الصمت مقابل الثرثرة والتشتيت والإلهاءات السمعية والبصرية والمعلوماتية الكثيفية من الشاشات البراقة عوضًا عن الإلهاء الداخلي (الحوار الداخلي) فإن القصد بالصمت هنا ولنقل الإيجابي يكون فاعلًا.

ومما لا شك فيه أن الصمت (أو السكوت) حيث وجب النطق قد يعد إنسحابًا أوأحيانًا يعدّ جريمة في نطاق القول المأثور الذي جاء في الرسالة القشيرية للإمام أبي القاسم القشيري أن “الساكت عن الحق شيطان اخرس”.

وأنظر في هذا المقام قول الشاعر (اختلفت بالقائل الآراء)

عَجِبتُ بِإِزراءِ العَيِيِّ[1] بِنَفسِهِ*وَصَمتِ الَّذي قَد كانَ بِالقَولِ أَعلَما

وَفي الصَمتِ سَترٌ لِلعَيِيِّ وَإِنَّما*صَحيفَةُ لُبِّ المَرءِ أَن يَتَكَلَّما.

وأنظر قول الخليل بن أحمد: والخطاب البليغ عند جواب ال … قول تزهى بمثله في النّديّ[2].

الصمت حتى تبيان الأمر: الفخر أم الازدراء؟

إن فكرة استخدام الصمت وعدم الكلام، والعزل أو إظهار الرفض للفعل أو الجفاء بالعلاقة كسلاح للردع استخدمت بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم حين تم عزل الثلاثة (الثلاثة المتخلفين عن غزوة العسرة في تبوك) عن مجموع المسلمين حتى قضى الله فيهم الأمر،  فتم فك المقاطعة.بقوله تعالى (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذينَ خُلِّفوا حَتّى إِذا ضاقَت عَلَيهِمُ الأَرضُ بِما رَحُبَت وَضاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم وَظَنّوا أَن لا مَلجَأَ مِنَ اللَّـهِ إِلّا إِلَيهِ ثُمَّ تابَ عَلَيهِم لِيَتوبوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحيمُ).

ووقفت على ذات الطريقة في فعل أحد الأحزاب الاسلاموية ومنهم”الاخوان المسلمين” التي تقطع صلتها بمن يخرج عنها بشكل عقابي أليم  كليًا ما هو استخدام مفرط جدًا للأداة ومبالغ فيه لأنه يقطع الأواصر، وينبذ، ويستبيح المحرمات.

وفي الصمت الإيجابي وفي موضعه السديد نتعلم من قول سيد الخلق “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”.

وقال لقمان لابنه: “يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك”.

وفي صمت مريم العذراء فائدة وقوة استمدتها من الإشارة الى عيسى عليه السلام ليتكلم وهو في المهد صبيًا. لقد جذبت وأثّرت وعرّفت بالحدث الجلل دون أن تنبس شفتاها بكلمة.

الصمت المؤذي

 في أحد التنظيمات الفلسطينية -كما حدثني أحد الأخوة من قيادة جبهة التحرير الفلسطينية- كان أن أصرّ زميل لهم على البقاء ضمن جماعة أحمد جبريل (القيادة العامة) التي ينتمون لها، بينما هم خرجوا عليها رفضًا لأسلوب الفصيل المؤذي المرتبط بمخابرات نظام عربي، والمعادي في التعامل مع حركة فتح والثورة وياسر عرفات، فكان أن تم تأسيس جبهة التحرير الفلسطينية (طلعت يعقوب وأبوالعباس).

أثّر فيهم بقاء الزميل في الفصيل المؤذي، وكانوا يرغبون بأن يكون ضمنهم ومعهم، وهم يعلمون حبّه لصلاته وعلاقاته الاجتماعية بهم وتواصلهم اليومي، فقرروا التزام الصمت ومقاطعته كلاميًا حتى يعود اليهم، وهذا ما كان. 

تأثرت عبر المطالعات بموقف صمت الحجاج بن يوسف الثقفي حين قَدِم واليًا على الكوفة-العراق للخليفة الوليد بن عبدالملك. وكان غاضبًا حانقًا، فكانت خطبته التقريعية الشديدة، وقد ابتدأها بالصمت الطويل مُطرقًا برأسه، ما أعطى معنى الرهبة والتخويف والتحذير، والذي ظهر لاحقًا في فحوى خطبته الصاخبة جدًا التي ابتدرها ببيت الشعر (أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا*متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني.)

وعرفتُ قائدًا فلسطينيًا كان يستخدمُ الصمت بشكل سلبي حين تحدّثه ليُعلن رفضه لك وقد تجد في ذلك ازدراء أيضًا، فلا تفهم أتكمل الحديث معه أم أنك غير مرحّب بك؟

والثانية كانت هي الأصل عنده للأسف. ولا تفهم لم يفعل ذلك أصلًا! وهو وافق على استقبالك وكأنه يعاقبك مرتين.

ومع ذات القيادي الفتحوي واجهتُ مشكلًا عويصًا إذ انه كان يترصد بي الدوائر، فأوقعني بإشكال ثنائي القطبية حول قضية سياسية تنظيمية ما، وهي التي إن نطقت بالموافقة عليها اعتبرني مخطئًا وإن نطقت برفضها اعتبرني مخطئًا أيضًا! فآثرت الصمت بين الجموع التي جاءت تستنطقني وتحثني على الجواب استجابة لأوامره! وهي لا تعلم شيئًا، فخسرتُ بصمتى المبرر من قبلي عددًا منها لفترة، لكن صاحب اليد العليا أسقط في يده.

صمتٌ أم صموتات! وخشوع المحب

يقولون أن في الصمت والوجه الهاديء السموح دلالة إعلان محبة، حين تتركز العيون في المحبوب، لايرى غيره. والحقيقة الواضحة ان الصمت صموتات متعددة!

إذ أن في الصمت الرضيّ احترام في حضرة الأعلى مستوى أو قيمة فكرية أو ثقافية أو بالسن أوالعائلة أوالموقع.

وفي الصمت الحزين تعبيرٌ عن ألم هجر أو بُعد أو نتيجة عِراك او مصيبة أو فراق.

ومن الصمت تردّد أو تذبذب أو لربما تفكّر بالبدائل عميق.

وفي الصمت انتقال حيث الاستدلال على جديد، أوارتباط مع غريب، أوانقطاع عن عزيز.

في الصمت إعلان عن الغضب، أو تعبير قاسي عن التجاهل كما يُشار لحادثة الحجاج مع أهل العراق مثلاً، وذاك القائد الفلسطيني الغضوب الصموت.

وقد تجد صمتُ المتضايق مرتبطًا بوجهه المتغضن وانكماشه وانعزاله.

وتجد أيضًا صمت الجاهل لا يعرف ما يقول، وفي مقابله تجد صمتُ العاقل في مواجهة الجهلة.

المؤمنون والرساليون والصابرون يألفون الصمت نعم، ولكنهم ينطقون بالحق في موقع الصراع والقتال والمجابهة والمقاومة. وهم الى ذلك يتدبرون الآيات، ويدعون الله الفرج وفك الكربة.

وقد تجد صمت الشعور بالغربة أو النبذ أو الوحدة. 

في الصمت احتضانٌ واسع خاصة في نماذج عدة ومنها حين تقرأ كتابًا مشوقًا، فانت بين أحضانه تعيش عالمًا آخر عالمًا جديدًا وتزاد حياة الى حياة تعيشها لأنك تعيش الفكرة أو القصة في الكتاب.

تعيش الفكرة أو الأحداث أو المواضيع داخل الكتاب بمكوناتها، كما تكتشف وتعيش مجالات تركيز المؤلف وطريقة تفكيره وتعبيره عن الأمور في شخوص قصته، أو بين ثنايا كلماته وعباراته وجمله في الكتاب، أما ثالثًا فأنت تعيش انفعالك الذاتي (وتذوقك) بين كل ماسبق واستنتاجاتك وهوامشك للكتاب، ما قد لا تجده في المرئي أو المسموع على أهمية المكونات الثلاثة في الاتصالات.

ولك أن تنظر للمفاهيم الإسلامية الجميلة حين تلجأ لفضيلة الصمت وتستغلها بأن تقرأ في الكتاب المسطور[3] (القرآن الكريم)، وفي الكتاب المنظور (الطبيعة والكون)، أو حين تربط ما بينهما.

لنا في الصمت الإيجابي مما سبق الصلاة ذاتها حيث القطع مع الخارج، خارج نفسك، والصلة مع الداخل.

ولنا النظر في فضيلة التأمل، وحُسن الاستماع، وفي أهمية التركيز والتجول بين الصورالذهنية، وفي طرق المجهول واكتشافه، وفي امتلاك المعارف، أو بالتنقل العقلي بين الكلمات والأرقام، أو بين الأفكار التي تدير الرأس فيستغلها إيجابًا يتحكم بها ولا تشتته أو تلقي به أرضًا.

من الصمت الجميل صمتُ العارفين بالله سبحانه وتعالى، والزاهدين والممارسين له ضمن مدرسة الارتباط الروحي، أو مدرسة استعادة الطاقة، والنشاط والأنفاس المتقطعة، أومدرسة الابداع والصباح المشرق بالنور.

وعودٌ على الصلاة دعني أقول أن الخشوع في الصلاة أكبرُ تدريب على الصمت والهدوء من جهة، وعلى ردع المشتتات الخارجية والداخلية (في نفس الانسان) وبالتالي تصفية الذهن من جهة وتعلم التركيز على الفِعل الاتصالي في الصلاة، والربط الذاتي الحقيق مع الخالق.

وتعدُ الصلاةُ سلامًا داخليًا رائعًا لمن يُتقن فكرة الخشوع بالصلاة ولا يتعامل معها كحملٍ ثقيل أو واجبٍ يؤديه بلا متعة.

الصمت الرضّي: 21 حالة من الهدوء نكسبُ فيها أنفسنا.

 ومما استفدناه من تجاربنا وخبراتنا، ومن سيل القراءات التي تنقلنا بينها حول الموضوع يمكننا أن نقول التالي في حالات الصمت أو الهدوء الذهبية.

  1. من المفضل أن نصمت في سَوْرة الغضب، فلا نؤذي مَن نُحب أو مَن نصادقه، لأن كظم الغيظ هنا فضيلة.
  2. ومن المفضل أن ننتقي الكلمات ونزِن ردود أفعالنا، أن أعيتنا الحيلة حال الغضب أوالشعور بالأسى فلا نسيئ بكلماتنا ونقطع ونبتر.
  3. ومن المهم أن نصمت عندما لا نجد ما نقوله، فلا نقول “أيّ كلام، لمجرد الحديث والدردشة”.
  4. ولنصمت عندما نعتقد أن ما سنقوله سيجلب لنا الحَرَج، أو الإساءة، في غير صولة الحق الصراح حيث وجبت الكلمة الجهادية.  
  5. ولنصمت حين ينتقدنا أو يسخر منا الآخرون أو يسيئون لنا ونحتاج لهم (خاصة إن كانوا أصدقاء، أو مسؤولين متحكمين…)، كما نحتاج لتهدئة ردود أفعالنا، فنمتص الاحتقان، ونخفف امتعاضنا، ونتدبر أمورنا بثقة، فلا نرد بما هو ثقيل على الأذن ومضر لنا.
  6. وفي حالة الصديق أو الحبيب أيضًا يجب أن تصمت لتتغاضي عن إساءة أو سخرية منه، فتريح نفسك وتنسى وتسامح. ولك أن تعاتبه لاحقًا اوتطلب منه عدم تكرار ذلك بأدب ومودة.
  7. ولك أن تصمت لتحتفظ بما يعتمل بصدرك فلا تؤذي غيرك بكلماتك النارية وعليه فأنت تصفح.
  8. وحين تكون كلماتك غاضبة الى حد الاختلاط بالصراخ عدّ الى 10 ولا تتكلم أفضل بكثير من تفريغ غضبك، وتنفيس احتقانك، لتعود للاعتذار وطلب المغفرة خاصة في حضرة صديق مقرّب.
  9. واصمت (وابحث جيدًا بمنهج، واقرأ كثيرًا، وادرس وتيقن واستنتج، وخطّط لكلامك) عندما لا تمتلك الحقيقة المكتملة حول أمر ما، فلا تُدلي بدلوك بلا اطلاع على كل جوانب الموضوع، أوبلا دليل أو حجة أو منهج.
  10. ولا تتكلم لمجرد الدردشة أو الكلام للكلام لأن الكلام المهدّف ذو القيمة أفضل لك ولصورتك وسمعتك وشخصيتك التي تبتغيها.
  11. وأشرنا كثيرًا لفضيلة الصمت والهدوء لغرض التفكر أو التأمل أو حسن الاستماع، أو حتى العقاب الخفيف اللطيف المؤقت.
  12. ونصمت لنعطي مظهر الثقة بالنفس، ونستجلب الانتباه ضمن مساق” لكل مقام مقال”.
  13. ونصمت في حينه ووقته عندما يكون الصمتُ صبرًا، وعندما يكون رصدًا لحدث.
  14. ونصمت ونهدأ عندما نكتب، وعندما نقرأ.
  15. ونصمت ونركّز لنمهل غيرنا فيتحدثون.
  16. ونصمت ونتذوق حين نمارس الرياضات المختلفة، وحين الأكل لنستمتع بالمكونات.
  17. ونصمت حين نستمع للقرآن الكريم. أو حين نستمع للموسيقى.
  18. ونصمت ليجول عقلنا بالكثير، فيهدأ ثم يتصارع ثم يهدأ ويتلقى الإلهام ليُبدع.
  19. ونصمت لنبتعد عن المشتّتات والضجيج الرقمي الصاخب بلا أهمية، ونصمت لنركّز ولنتجهز 
  20. ونصمت كي لا نزيد همومنا أو مشاكلنا فننشد راحة البال وهدوء النفس والصلة مع الكائنات والطبيعة، ومع الذات ومع الله سبحانه وتعالى.
  21. وفي هذا وذاك لن نملّ الكلام والخطاب والحديث المُحق والشجاع والضروري في وجه الظلم والظُلّام والمستبدين والمستغلين، بل وقد نسبق ذلك بالعمل المتواتر والمثابر والانجاز الذي هو أكثرُ إثمارًا ما قد نجده في مقامه وموضعه الضروري في حوار السيف والقلم.

جلنا بين الهدوء والصخب وأشعلنا نار الحق حين تكون الكلمة في محلها، وأضفنا طفاية الحريق حين يفعل الهدوء مفاعيله في الصدر. وحيث يتوجب بما لا ينسي الانسان حقه مطلقًا. ولكن بما يساعده على النهوض، وللعالم الرقمي في التشتيت والإزعاج نصيب كبير.

الصمتُ في ظل العالم الرقمي، وإجازة الهاتف النقال

عاصرنا التلوث السمعي مع ضوضاء صراخ البشر، وزعيق الباعة المتجولين قديمًا، وفي غبار المعارك، وعاصرناه مع ضوضاء المصانع والمعامل وسيارات الإسعاف والنجدة مثلًا كما مع أبواق المركبات السائرة تنهش أذنيك في الشوارع.

 كما عاصرنا الضوضاء مع رواد المقاهي (التي يدلعونها اليوم افتتانًا بكل ما هو أجنبي باسم كافيهات!)، وعاصرنا المشتتات الخارجية الكثيرة أيضًا مع الأجهزة الاتصالية القديمة حين تستخدم بشكل سيء (المرناة أي التلفزة، والمذياع، والمسجلات الصاخبة…)، وهناك من أدمن صخب الحفلات وقاعات الرقص الغربي ثقيل الوطأة على القلب والنفس …الخ فلم يلتفت ذاته وصحته النفسية والعقلية.

والى ما سبق كانت حالة الإلهاء الداخلي والتشتت مرتبطة بالأحزان والمصائب والتشتت الذهني، حين تداهمنا الأفكار كلها فلا نجد لها محيدًا فتقتلنا بتراكمها دون أي قدرة على الاستفادة منها، أو دفعها أو تهدئتها ضمن مقام الحوار الداخلي الصعب أو المشتت للفؤاد.

إن الحوار الداخلي (داخل الدماغ ) كثافة أفكار هامة جدًا، حين تستطيع أن تمسك بها وتستثمرها في الاستنتاج واجتراح البدائل والحلول، وحين تجد فيه المنقذ من الضلال.

والحوار الداخلي جهادُ نفسٍ عظيمٌ حين تُحسن استخدامه وتروّضه فلا تدعه يطيح بك أرضًا، بل تجعله كالنمر المروّض… فتنتقل بالحوار أو الجهاد الداخلي أو الحرث في حقل الذات الى النماء والصفاء والإبداع.

كتبتُ كتابًا عن فن الحديث تحت عنوان: في الخطاب المؤثر والأسلوب الجذاب، لما لأهمية الحديث في مقام الاتصالات بين البشر وبناء العلاقات والتأثير بالآخرين، وهاأنذا اليوم أحاول في هذا المقال أن اطرق معاني الصمت فلعلي أصيب من حيث السلب والإيجاب في ذلك.

في العصر الحالي وفي ظل تدفق الأخبار والمعلومات الصحيحة والمضللة سيّان عبر كافة وسائل التواصل الاجتماعي، وما يشكل بأغلبه من ملهيات وتلوث سمعي ونظري وذهني نحن أدعى أن نعود للأصول ونعطي لكل الأجهزة الكهربية والالكترونية موقعها الحقيقي كخادم لنا، وليس كمتحكم فينا.

دع الأجهزة الالكترونية وعلى رأسها الهواتف الخلوية تأخذ منك إجازة يومية في فترة محددة، إضافة للإجازة الأسبوعية لأنه حين تصمت الأجهزة (خاصة الحواسيب والخلويات…) بتدفق سيل البيانات والأخبار الهاطلة بغزارة الفيضان منها، يبدأ العقل الصافي بالعمل، أو تبدأ المخيلة باستعراض جمالها، والوان صورها الزاهية، وتتألق في صمت التدفقات، وتتأمل وتتفكر وتخطط وتبدع.

تبدأ حياتك الحقيقية بخطوة تتلوها خطوات وفي تناغم ومثابرة ذات إرادة للتغيير.

حين تألف الصمت حيث وجب تجد نفسك بوضع جديد مع الخالق سبحانه وتعالى من جهة، وبين أهلك وأصدقائك وفي حضن الطبيعة. ومع ذاتك المظلمة والمثقلة حينًا والمتجددة الراغبة بالنور حينًا آخر فتُصغي وتدرك وتفهم وتنفعل وتطور، و تجد نفسك حين تحقيقك إتقان الصمت وأُلفته تجول بين أحلامك وخلجات نفسك وأفكارك السلسة المولّدة للكثير، وخطوات الغد القادم.

دعني اختم بالقول: نعم لنصمت كثيرًا لنخشع في صلاتنا، ولنصمت كثيرًا لنفكر قبل الإقدام على قرار متهور، ولنصمت كثيرًا لنفكر بالبدائل، ولنصمت كثيرًا لنستمع وننصت أفضل لغيرنا، ولنصمت كثيرًا لنعيد ترتيب أفكارنا. ونعم نحن كالموج الهدار في مواجهة الظلم والاحتلال والفساد والعقل المنحرف والعقل السلطوي البذيء. (فلسطين في 2023م).


 العييّ هو هنا العاجز عن بيان مراده،ومنه العيي في خطابه وحديثه وكلامه.[1]

[2]  الندى صوت الإنسان الحسن البعيد ؛ صوت المنادي المرتفع.

[3]  راجع الآية الكريمة ” وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ “والتفسيرات التي منها:  أى الصحف أو كتاب مكتوب متسق الكتابة، منتظم الحروف ، مرتب المعانى ، فالمراد بالكتاب : المكتوب . وبالمسطور : الذى سطرت حروفه وكلماته تسطيرا جميلا حسنا .

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى