غير مصنف

كيف تطور الجاذبية والتأثير في شخصيتك؟


قبل أن نبدأ محاضرتنا دعوني أسالكم أن تفكروا، أو بالاحرى تستحضروا شكل أو كُنه المشاعر التي تنتابكم جميعا -وأنا منكم- حينما أتسلم أو يتسلم أي منكم مسؤولية كبيرة كانت أم صغيرة.
عندما تسلمت مسؤولية رئاسة اتحاد الطلاب وبمصطلحاتكم رئيس مجلس الطلبة من أكثر من 35 عامًا انتابتني 3 أنواع من حزم المشاعر الأولى: هي التوتر أوالخوف الشديد، والثانية هي والاقدام والجسارة والحماس المتقد، والثالثة هي الفرح الغامر.
حيث كانت حزمة المشاعرالاولى عند تسلمي المهمة، والثانية فترة اختبار المهمة وتنفيذها بالعمل والانجاز، والثالثة أي الفرح الشديد عند انتهاء المهمة، ومازالت هذه الحزم ترافقني اليوم في أي مهمة أقوم بها، فهل هذا صحيح؟
نعم، علميا فإن التوتر أو الخوف داخل الدماغ يرسم نفس التفاعلات الممثلة للحماس والإقدام،أي أن الدماغ لا يميز بين الخوف والحماس، وبمعنى آخر أن ما يجعل الخوف كابحا عن التقدم والانسحاب، أوعلى العكس يجعله دافعا للتقدم هو المكافيء للدماغ أي العقل، أي نحن.
ومن هنا فمازلت احتفظ بالحزم الثلاثة حتى اليوم، وإن استطعت أن احوّل الخوف من خوف سلبي مُقعِد عن العمل الى إيجابي دافع للعمل أي الى إقدام.
كل شخصية لها من العيوب والمميزات ما يمكن فهمه والنظر فيه والتعامل معه، ولنا نحن إن أردنا أن نتحول الى كوادر فاعلة أن نتميز بثلاث صفات أساسية هي: الانتماء والالتزام، والأهلية، والاستعداد.
فنحن منتمون للفكرة والقضية ولفلسطين ولما نقوم به وملتزمون بالجهد والعمل، وعليه يجب ان نتعب على أنفسنا نحن أولا بالقراءة والمران والتدريب والتجارب والاتصالات، ثم بالاستعداد الدائم للعمل وتنفيذه دون تردد، ما يجعل من شخصيتنا تنبذ السكون والخمول والتكاسل والسوداوية، فتنتصر لنموذج الشخصية الفاعلة، وبالتالي الجاذبة للآخرين.
وهنا سأذكر لكم من مقومات الجذب الممكن أن نمتلكها 10 ميزات كالتالي:
1) المصداقية تُصنع والاحترام يُكتسب والثقة تبنى، والاخلاق لا تتجزأ

  • العناصرالاربعة للمصداقية هي أ-النزاهة: ما يعني التكامل والتوافق بين أقوالك وأفعالك والالتزام بما تقول وتفعل والاتساق بين الجوهر والمظهر، وأن يكون لديك الشجاعة للتصرف وفق قيمك ومعتقداتك. (مثال: تحدث غاندي ساعتين أمام البرلمان البريطاني فذهلوا، واعتبر البعض أنه نومهم مغناطيسيا، فسألوا سكرتيرهُ فقال: ما يفكر به ويشعر به ويقوله ويفعله متماثل لذا فهو متدفق).
  • ب-القصد: بمعنى الدوافع والمخططات (الاجندات) وسلوكنا الناتج. وتزداد المصداقية والثقة حين لا يكون اهتمامنا منصبا بالأساس حول أنفسنا، وانما منصبٌ أيضا على من نتعامل معهم.
  • ج-القدرات: من مواهب واتجاهات ومهارات ومعارف وأساليب تظهر من الشخص (الطبيب، المعلم، السياسي، الطالب، الكاتب..) وهي ما يحتاجه للتغذية والتدريب.
  • د-النتائج : سجلنا الشخصي والاداء والانجازات.
    (مثال: فصيل حماس وتتبع مسار حركة فتح السياسي والكفاحي العسكري وحتى الفكري-للنظر في وثيقة حماس 2017، والتنسيق الامني لحماس مع الاسرائيلي على السلك، ودخول الاموال بموافقة اسرائيلية، ومثال الشخص المتعنتر يطالب بالمواجهات ضد العدو وحين تحصل يسلم ساقيه للريح)
    2) الكلمة كالرصاصة فلا تطلقها إلا لتصيب الهدف.
  • ماذا وأين ولمن اتحدث كلها مهمة، والمهم أيضا معرفة كيف أتحدث، فإن كان الهدف الدفاع عن القضية الفلسطينية أو شرح مضمون الصراع وادواته، فإن فن ابراز الكلمة (الفكرة) يحتاج ثلاثية: حُسن الاعداد وحُسن الاختيار للكلمات، وحسن الاداء (فن الحديث).
  • ان الكلمة لتكون مؤثرة يجب ان تتصف ب5 مزايا بأنها – صادقة – لطيفة – عفيفة – مهدفة – بلا حكم مسبق.
    3) ما ترفضه القلوب لا يقبله العقل بسهولة.
  • خاطب القلب ينجذب لك العقل، لذا استخدم الاشارات العاطفية والكلمات المشحونة بالقيم، واسبغ على كلماتك معاني عميقة تمس القلوب مثل: لنعمل معا على تطوير ذاتنا، وليس إعمل كذا وكذا،. أو كما كان يردد الراحل أبوعمار دوما في شعاراته القصيرة والمشبعة بالحوافز والعواطف (نحن شعب الجبارين) (شبل من فلسطين سيرفع علم فلسطين…) (على القدس رايحين…) أو (مثال: من لا يحقد على عدوه لا يقاتله).
  • تعاطف مع من تتحدث معه، وشاركه قيمه وأفكاره.
  • من المهم مخاطبة العقل، ولا يعني ذلك الدخول في متحف الكلمات غيرالمستخدمة، او ايراد النظريات المعقدة، فالناس عامة لا تنجذب للصعب المعقد.
  • تحدث بثقة بنفسك، وتحدث بشغف ومتعة، وتحدث وكأنك تحبهم.
  • انظر للشركات التجارية وهي تصنع منتجاتها بالقالب عاطفي مغلف بالقيم (مثلا في أحد المنتجات كتبوا: نحن نخبز بالحب).
    4) الابتسامة والايماءة والمصافحة أقوى من الكلام.
  • ان شكلك أنت والاهتمام به، ولغة الجسد هي التي تجعل الجمهور يحكم عليك في أول 30 ثانية. وفي اختبار اجري على جمهور أنهم استطاعوا بمثل هذه المدة قراءة الشخصية بنسبة 70% من العينة.
  • تذكر ان الكلام يؤثر بنسبة 7% والصوت 38% ولغة الجسد 55% أي عمليا بنسبة 93% لغة جسد.
  • خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة عام 1974 نموذج بارز على النسب الثلاثة.
    5) لا تقل الا حقاً ، فالكلام المرسل حجة عليك.
  • يجب أن يكون كلامك صحيحا وليس ادعاء او إشاعة أو كذبة، وأن يكون ذو مرجعية وموثقا. (غالبا المراسلات الجاهزة في وسائل التواصل الاجتماعي كلام مرسل وبالتالي غير مسند، أي يجب ألا نثق به).
  • ان يكون كلامك مفيدا، وفي موضوع يحقق هدفك، ولا يهدم شخصيتك.
  • لا تشتم ولا تجرّح، ولا تقل ما ستندم عليه كما يفعل الناطقون الاعلاميون لبعض الفصائل فيتهمون بلا حجة ويخونون او يكفرون فيسقطون.
    6) اصنع مناخك: بتخير المكان والزمان والموقف والمضمون، والتكرار الحميد.
  • ان لم يكن لك من الخيار الكثير فتخير على الأقل مما تقوله الأطيب والأحسن، ولكل مقام مقال، ولا تسرف بالحديث، ولا تهرف بما لا تعرف.
  • تخيّر المكان والزمان والشخص والموقف يعني تدربك المستمر وصولا اليه، ويعني استعدادك الدائم حتى في منامك، ويعني قدراتك على التحكم بمخرجات الحوار.
  • نعم يمكنك أن تكرر ما تقول على شكل قوالب بسيطة ومقبولة ومشبعة فتشيع بالجو مناخا من القبول حيث البسيد في كلامك قد يكون مدخلا للصعب.
    7) أحسن الانصات: وفن الانصات علم نتعلمه ونتدرب عليه، وعلينا ان نتقنه فهو وعاء حُسن التواصل ومفتاح الجاذبية في شخصيتك.
  • في الانصات قدرة على تخير الإجابة الفضلى.(وعلينا تعلم فن الانصات)
  • لا تنتقد الشخص مطلقا وانتقد الموقف كما كان يردد القائد العروبي خالد الحسن.
  • في الانصات احترام للشخص الآخر، فدعهم يتحدثون عن أنفسهم، ما سيعود عليك بالمثل.
    8) اقرأ بلا انقطاع، وتعلم بإقبال: إن المعرفة هي مما يكسبك مظهر الخبير، ويكسبك ثقة الآخرين.
  • بالقراءة المتنوعة والمستمرة تزدد ثقة بنفسك، ويزداد مخزونك المعرفي (مرجعيتك الثقافية والفكرية) فهي كنزك المخفي.
  • علينا تعلم فن القراءة السريعة والعميقة، ونلخص وندون، ونحفظ أجزاء مما نقرأ لنستخدمه في تواصلنا مع الآخرين كتابة أو شفاهة.
    9) دع ما لا تعرف، وتعلمه لاحقا، وانقل الحوار لمساحة تأثيرك.
  • ما لا تعرفه ان خضت فيه فانت في بركة موحلة، لن تخرج منها الا متسخا، فدعه. وان لزم اعتذر عن الخوض، وان كان الامر مهما اسال،أو اقرا أو ادرس، و تعلمه.
  • لا تخسر جاذبيتك وتأثيرك بالخوض فيما لا تملك التأثير فيه، أو لا تملك الزمام والالمام به، ولا تكن مدعيا أبدا.
  • دائرة الاهتمام تمثل كل ما تتمناه أو تكترث له او تتابعه ودائرة التأثير تضم العناصر القادر على احداث التغيير فيها فدع الخوض فيما لا قدرة لك على تغييره (المناخ ، أزمة المرور، الأسلحة الكيماوية، سيارة الجيران…) واهتم بدوائر تأثيرك (تطوير معدلك التراكمي، استقطاب اعضاء جدد، بناء صداقة جديدة، مصالحة الوالد بعد خلاف،هدية لامي، قراءة قصص امين المعلوف وابراهيم نصر الله وأنطونيو غالا وغابريل غارسيا ماركيز وعباس محمود العقاد، شرح فكرة الوطنية في حركة فتح……).
    10) ايمانك بما تقول، وحبّك لما تفعل حافز وطاقة تنتقل منك للآخرين حتما.
  • ان الايمان وقود الارادة والإرادة مفتاح الفعل، فكلما آمنت بنفسك يزداد احترامك لذاتك، وثقة وتكتسب طاقة اشعاع واسعة على الآخرين (الايمان كوقود السيارة، والارادة مفتاح تشغيل المحرك والفعل هو السير في الاتجاه المطلوب لتحقيق الهدف).
  • تحلى بالشغف، فتسير في الطريق حتى نهايته تحدوك الرغبة بالنصر.
     تذكر ان الكلمات السحرية الثلاث مع الآخرين هي: كيف يمكنني مساعدتك؟
     من لا يشعر بعظم المسؤولية لا يخاف، ومن لا يخاف لا تستيقظ لديه حوافز التغلب على الخوف، فيحوله الى طاقة ايجابية والى حماسة واندفاع، الى عمل منجز.

والله موفقنا.

[1] ألقيت المادة لأول مرة كمحاضرة في دورة الشهيد كمال ناصر، لطلبة جامعة بيرزيت في فلسطين 27/1/2019 ، من قبل بكر أبوبكر أديب ومفكر عربي فلسطيني، وهو باحث في القضايا الوطنية والعربية، والاسلاموية، وله أكثر من 30 كتابا في مجالات عدة، وحاليا هو عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح، ومسؤول التعبئة الفكرية، ورئيس اكاديمية فتح الفكرية وموقعه بالشابكة.  وموقع الاكاديمية على تلغرام https://t.me/fatahacad

[2]  هناك تمارين عقلية نفسية يمكن استخدامها والتدرب عليها لتحويل التوتر أو الخوف الى اقدام وحماسة.

[3]  يذكرون أن الشخصية الجذابة تمتلك ثلاثية: الايجابية، وتقدير الآخرين، والثقة بالنفس. والشخصية الجذابة أو الملهمة لها القدرة على تحفيز وإلهام الناس.

[4] ستيفن كوفي، سرعة الثقة، دار العبيكان،2014

[5]  في الاتجاه المقابل فإن وزير الدعاية النازي الألماني غوبلز كان يقول: اكذب ثم اكذب واكذب فيصدقك الناس فتصدق نفسك، ما هو بالتكرار حتى للفكرة الكاذبة يمكن جعلها بعد مدة من الزمن تتسم بالمصداقية، وتصبح قانونا وكأنها الحقيقة لا غيرها. (لمراجعة كتاب تهويد المعرفة لممدوح عدوان).

[6]  يؤكد الكثيرون أيضا على الوصايا التالية للجذب والتأثير: من أسرار الجاذبية والتأثيرما يتقاطع مع ماقلنا:

اظهار الاهتمام بالآخرين، التفاؤل والحماس، لا تغضب، الابتسامة، تقديم الهدايا، الاهتمام بالشكل والمنظر اتقان فن الكلام، الاصغاء وحسن الاستماع.

بكر أبوبكر

كاتب وباحث عربي فلسطيني ورئيس أكاديمية فتح الفكرية، وعضو المجلس الاستشاري للحركة. بكر أبو بكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى